الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، يوليو 22، 2026

دينامية مغربية تتقاطع فيها الدبلوماسية والنمو والثقافة والإنجاز الرياضي: عبده حقي


أتابع أخبار المغرب خلال الأسبوع الممتد من الخامس عشر إلى الحادي والعشرين من يوليو 2026، فأجد أمامي حصيلة إيجابية لا تقوم على حدث معزول أو تصريح عابر، بل على مجموعة من المؤشرات المتقاطعة في السياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة. وقد بدا لي أن القيمة الحقيقية لهذه الحصيلة تكمن في الترابط بين عناصرها؛ فالدبلوماسية تحولت إلى اتفاقات عملية، والمؤشرات الاقتصادية تعززت باستثمارات صناعية جديدة، والثقافة حضرت باعتبارها أداة للتعاون الدولي، فيما واصل المنتخب الوطني ترسيخ مكانته بين كبار كرة القدم العالمية.

الدبلوماسية المغربية تنتقل إلى مرحلة الإنجاز

كان الحدث السياسي الأبرز خلال الأسبوع انعقاد الدورة الخامسة عشرة للاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى بالرباط، برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش ورئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو. ولم تكن الزيارة الفرنسية عادية في نظري، خصوصاً أن لوكورنو اختار المغرب وجهة لأول زيارة رسمية خارجية له منذ توليه رئاسة الحكومة الفرنسية، مصحوباً بوفد يضم اثني عشر وزيراً، وهو ما يعكس الأهمية التي باتت باريس تمنحها لعلاقاتها مع الرباط. 

الأهم بالنسبة إليّ أن اللقاء لم يتوقف عند تبادل عبارات الصداقة، بل تُوّج بتوقيع اتفاقات وبرامج تعاون شملت السياسة الخارجية، والماء، والنقل، والطيران المدني، والتعليم، والثقافة، والزراعة والبحث العلمي. ومن بين الاتفاقات البارزة مذكرة تؤكد تنفيذ تمويل مشروع الخط السككي فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، وإعلان مشترك لدعم السياسة الوطنية للماء، فضلاً عن خطة عمل تقنية في مجال الطيران المدني للفترة الممتدة من 2026 إلى 2028. 

وأنا أرى أن هذا النوع من الدبلوماسية هو ما يحتاجه المغرب: دبلوماسية لا تكتفي بتوسيع دائرة التأييد السياسي، بل تحول العلاقات الدولية إلى جسور للاستثمار ونقل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية. فقوة أي شراكة لا تُقاس بعدد البيانات الصادرة عنها، وإنما بقدرتها على إنتاج مشاريع يشعر المواطن بأثرها في النقل والعمل والماء والتعليم.

وفي السياق المؤسسي الداخلي، لفت انتباهي تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، إلى جانب اللجان الجهوية والإقليمية، استعداداً للانتخابات التشريعية المقررة في الثالث والعشرين من سبتمبر 2026. وقد حُددت مهمة هذه اللجان في مراقبة مختلف مراحل العملية الانتخابية، ورصد المخالفات، واتخاذ الإجراءات القانونية الضرورية لحماية نزاهة الاقتراع وحرية اختيار الناخبين. 

أعتبر هذه الخطوة إيجابية من حيث المبدأ؛ لأن الديمقراطية لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات وقواعد وآليات للمراقبة والمحاسبة. ومع ذلك، فإن القيمة النهائية لهذه المبادرة ستظل مرتبطة بصرامة التطبيق، وبمدى قدرتها على ضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين وترسيخ ثقة المواطنين في العملية الانتخابية.

كما عزز احتضان الرباط لقمة القوات البحرية الإفريقية، من العشرين إلى الرابع والعشرين من يوليو، صورة المغرب بوصفه فضاءً للحوار الأمني والتعاون القاري. وقد جمعت القمة مسؤولين من دول إفريقية والولايات المتحدة ودول أوروبية وعربية وآسيوية، لمناقشة الأمن البحري والتعاون الإقليمي والابتكار التكنولوجي وعمليات الإنقاذ والمراقبة البحرية. 

اقتصاد يُظهر قدرة واضحة على الصمود

على المستوى الاقتصادي، توقفت عند الأرقام التي أعلنتها المندوبية السامية للتخطيط بشأن نمو الاقتصاد الوطني بنسبة تقديرية بلغت 4.8 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بعد نمو بنسبة 4.6 في المائة خلال الفصل الأول. وقد جاء هذا الأداء مدعوماً بارتفاع القيمة المضافة للقطاع الزراعي بنسبة 20.5 في المائة، ونمو الخدمات بنسبة 4.3 في المائة، إلى جانب بداية تعافي قطاع البناء. 

لا أقرأ هذه الأرقام باعتبارها سبباً للاحتفال غير المشروط، لكنها تمنحني قدراً من الاطمئنان إلى قدرة الاقتصاد المغربي على المقاومة في بيئة دولية مضطربة. فقد ارتفعت نفقات الأسر بنسبة 4.7 في المائة، كما نمت عملية تكوين رأس المال بنسبة 9.4 في المائة، وهي مؤشرات تدل على استمرار حركة الاستهلاك والاستثمار. وفي المقابل، سجلت الصناعة التحويلية نمواً محدوداً لم يتجاوز 0.3 في المائة، وهو ما يؤكد أن الطريق نحو اقتصاد صناعي قوي ما زال يتطلب معالجة كلفة الإنتاج وضعف الطلب الخارجي. 

وأظهرت توقعات المندوبية أن الطلب الداخلي قد يرتفع بنسبة 5.9 في المائة خلال سنة 2026، وأن الاستثمار الإجمالي قد ينمو بنسبة 9.5 في المائة. كما يُنتظر أن تواصل تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج وتحسن المداخيل الزراعية والمكتسبات المرتبطة بالأجور دعم الاستهلاك الأسري.

ومن بين الأخبار الاقتصادية التي اعتبرتها دالة على جاذبية المنصة الصناعية المغربية، توقيع اتفاق مع المجموعة الأمريكية «كورتيس-رايت» لإقامة أنشطة صناعية متخصصة في تقنيات الطيران بمنطقة الدار البيضاء الكبرى. وستكون هذه أول مرة تدخل فيها المجموعة إلى القارة الإفريقية، وقد اختارت المغرب بوابةً لعملياتها الجديدة. 

هذا الاستثمار لا يمثل بالنسبة إليّ مجرد إضافة اسم شركة أجنبية إلى لائحة المستثمرين، بل يؤكد انتقال صناعة الطيران المغربية تدريجياً من تجميع المكونات البسيطة إلى استقطاب عمليات أكثر تخصصاً وقيمة تكنولوجية. ويضم هذا القطاع أكثر من 155 شركة، ويوفر أزيد من 25 ألف منصب شغل، ويحقق صادرات تقارب ثلاثة مليارات دولار، مع نسبة إدماج محلي تبلغ نحو 42 في المائة. 

الثقافة شريك في الدبلوماسية والتنمية

لم تكن الثقافة غائبة عن هذه الحصيلة. فقد شملت الاتفاقات المغربية الفرنسية تعزيز التبادل الفني، والتعاون في السينما والصورة المتحركة داخل القارة الإفريقية، وإقامة شراكة استراتيجية مع معهد العالم العربي في باريس، إلى جانب التعاون في البحث الأثري وصناعة الألعاب الإلكترونية والصناعات الثقافية. 

أرى في هذا التوجه اعترافاً متزايداً بأن الثقافة ليست قطاعاً هامشياً أو مجرد نشاط ترفيهي. إنها صناعة تخلق فرص العمل، ووسيلة لتقوية الحضور المغربي في الخارج، وأداة لبناء علاقات مستدامة بين المجتمعات. كما أن الحضور المغربي المرتقب داخل مدينة الفنون الدولية في باريس والتعاون مع معهد العالم العربي يفتحان أمام الفنانين والكتاب والمبدعين المغاربة فضاءات أوسع للتواصل والانتشار.

وفي الرباط، تواصلت خلال الأسبوع فعاليات الدورة الثالثة والعشرين للمهرجان الدولي للحكاية، المنظم من الثالث عشر إلى العشرين من يوليو. وقد احتفى المهرجان بثلاثين سنة من العمل على حماية التراث الشفهي وتمكين الحكواتيين، مستعيداً الحكايات المغربية ومفتحاً المجال أمام سرديات من ثقافات متعددة. كما أن هذه المبادرة مدرجة منذ سنة 2023 ضمن سجل أفضل ممارسات صون التراث الثقافي غير المادي لدى منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة.

وبصفتي كاتباً، أجد في هذا الحدث ما يتجاوز أجواء الفرجة. فالحكاية هي الذاكرة الأولى للمجتمع، وحمايتها تعني حماية جزء من اللغة والخيال والتاريخ الشعبي، خصوصاً أمام هيمنة المحتوى الرقمي السريع الذي يهدد كثيراً من أشكال التعبير الشفهي بالنسيان.

المركز السادس عالمياً ثمرة مسار رياضي متراكم

أما رياضياً، فقد حمل الأسبوع خبراً استثنائياً بصعود المنتخب المغربي إلى المركز السادس في التصنيف العالمي للاتحاد الدولي لكرة القدم، وهو أعلى ترتيب يحققه المغرب منذ اعتماد التصنيف سنة 1993. وقد أكد الموقع الرسمي للاتحاد الدولي أن المركز السادس أصبح أفضل تصنيف في تاريخ المنتخب المغربي. 

وجاء هذا الصعود بعد بلوغ أسود الأطلس الدور ربع النهائي في كأس العالم 2026، ليرتفع رصيدهم إلى 1803.99 نقاط، بفارق يقل عن نقطة واحدة عن المنتخب البرازيلي صاحب المركز الخامس، مع تقدم المغرب على منتخبات كبيرة مثل البرتغال وبلجيكا وهولندا والمكسيك. كما حافظ المغرب على صدارة المنتخبات الإفريقية. 

بالنسبة إليّ، لا يمثل المركز السادس رقماً عابراً، بل هو خلاصة سنوات من الاستثمار في التكوين والبنيات التحتية والعمل التقني واستقطاب الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج. لكن الحفاظ على هذا الموقع سيكون أصعب من الوصول إليه، لأن المطلوب الآن هو توسيع قاعدة اللاعبين، وتقوية البطولة الوطنية، وتطوير مراكز التكوين والتحكيم والتدبير الرياضي.

وقد جاء اجتماع اللجنة المديرية للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في السادس عشر من يوليو ليؤكد أن تنظيم كأس العالم 2030 يُنظر إليه باعتباره مشروعاً استراتيجياً يتجاوز بناء الملاعب، ويتطلب تحديث أساليب عمل العصب الوطنية وإشراك مختلف الفاعلين في إنجاح البطولة وضمان أثرها بعد انتهائها.

حصيلة إيجابية لا تلغي ضرورة النقد

أخرج من حصيلة هذا الأسبوع بانطباع إيجابي، لكنني لا أريد تحويل التفاؤل إلى مديح مجاني. فالمغرب يراكم خطوات حقيقية في الدبلوماسية والصناعة والثقافة والرياضة، غير أن نجاح هذه الخطوات يظل مرهوناً بقدرتها على تحسين حياة المواطنين وخلق فرص العمل وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.

ما يبعث على الأمل هو أن الإنجازات المسجلة لم تعد محصورة في مجال واحد. هناك تحرك دبلوماسي يفتح أبواب المشاريع، واقتصاد يظهر قدرة على الصمود، وصناعة تستقبل استثمارات ذات قيمة تكنولوجية، وثقافة تستعيد مكانتها في العلاقات الدولية، ورياضة تمنح المغرب حضوراً عالمياً غير مسبوق.

وأنا أرى أن المغرب يتقدم أكثر عندما يجمع بين الطموح والنقد، وبين الاعتزاز بالمنجز والوعي بالنواقص. فالحصيلة الإيجابية الحقيقية ليست تلك التي تملأ نشرات الأخبار لأيام، بل التي تتحول إلى مؤسسات أقوى، واقتصاد أكثر إنتاجاً، وثقافة أكثر انتشاراً، وكرامة يومية يشعر بها المواطن في مختلف مدن المملكة وقراها.


0 التعليقات: