الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، يوليو 07، 2026

الرواية المدعومة بالبيانات: السرد الذي تكتبه الخوارزميات: ترجمة عبده حقي


تدخل الرواية اليوم مرحلة جديدة تتجاوز مجرد الاستفادة من الحاسوب بوصفه أداة للكتابة أو المراجعة اللغوية، لتصبح البيانات نفسها مادة أولية تُعاد صياغتها في هيئة شخصيات وأحداث ومسارات سردية معقدة. فالتراكم الهائل للنصوص الرقمية، والأرشيفات المفتوحة، ومنصات التواصل الاجتماعي، والموسوعات الإلكترونية، وسجلات التاريخ، وأخبار العالم، أتاح للخوارزميات إمكانات غير مسبوقة لاستكشاف الأنماط السردية واستخلاص العلاقات الخفية بين البشر والأمكنة والأفكار. وبهذا المعنى، لم تعد الرواية تستند فقط إلى ذاكرة الكاتب الفردية، بل باتت تستعين بذاكرة رقمية تكاد توازي ذاكرة الحضارة الإنسانية نفسها.

إن الحديث عن الرواية المدفوعة بالبيانات لا يعني نهاية الإبداع الإنساني، وإنما يشير إلى ميلاد بيئة جديدة للإبداع، تتشارك فيها المخيلة البشرية مع القدرة الحسابية للآلة. فالبيانات هنا لا تؤدي وظيفة الإحصاء، بل تتحول إلى مادة جمالية قابلة لإعادة التشكيل، بحيث تصبح كل وثيقة رقمية، وكل صورة، وكل تعليق، وكل رسالة إلكترونية، وكل سجل تاريخي، احتمالًا سرديًا ينتظر من يعيد تنظيمه داخل بنية روائية جديدة.

لقد اعتادت الرواية الكلاسيكية أن تنطلق من تجربة ذاتية أو من حدث تاريخي أو من خيال حر. أما الرواية المبنية على البيانات فتبدأ من ملايين الشذرات المتناثرة في الفضاء الرقمي. تعمل الخوارزمية على تحليلها، واكتشاف أنماطها، وربط عناصرها، ثم تقترح احتمالات متعددة للحبكة، وللعلاقات بين الشخصيات، ولتطور الزمن الروائي، وللأماكن التي تتحرك فيها الأحداث.

ولعل أكثر ما يثير الانتباه في هذا النموذج هو أن الكاتب لم يعد مضطرًا إلى البدء من الصفحة البيضاء. فالخوارزمية تستطيع أن تقدم عشرات البدايات الممكنة، ومئات الشخصيات المحتملة، وآلاف العقد السردية، تاركة للمؤلف مهمة الاختيار وإعادة الصياغة والتأويل. وهكذا تتحول الكتابة من فعل إنشاء كامل إلى عملية تفاوض مستمرة بين الحس الإنساني والاقتراحات الرقمية.

وتكشف الدراسات الحديثة في الذكاء الاصطناعي أن النماذج اللغوية الضخمة قادرة على استخراج الأنماط المشتركة بين آلاف الروايات العالمية، فتتعلم إيقاع السرد، وتوزيع الأحداث، وتصاعد التوتر، وبناء الشخصيات، بل وحتى السمات الأسلوبية الخاصة ببعض المدارس الأدبية. غير أن هذا التعلم لا يعني امتلاك تجربة وجودية، وإنما يمثل إعادة تركيب احتمالية للمعرفة النصية التي تراكمت عبر قرون من الإبداع الإنساني.

ومن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل تستطيع الخوارزمية أن تبتكر شخصية روائية حقيقية؟

إذا كان المقصود بالشخصية مجموعة من الصفات النفسية والاجتماعية والسلوكية، فإن البيانات الهائلة تمكن الخوارزمية من بناء نماذج دقيقة للغاية، تستند إلى ملايين الأمثلة الواقعية والمتخيلة. أما إذا كانت الشخصية كائنًا يحمل قلقًا وجوديًا وذاكرة شخصية وتجربة شعورية متفردة، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا، لأن التجربة الإنسانية لا تُختزل بالكامل في البيانات مهما بلغت كثافتها.

إن الرواية التي تولد من البيانات تمتلك قدرة مذهلة على تمثيل التنوع الثقافي. فهي تستطيع أن تستدعي في لحظة واحدة مفردات من الأدب الياباني، وإيقاعات من السرد اللاتيني، وصورًا من الشعر العربي، وتقنيات من الرواية الروسية، لتنتج نصًا عابرًا للحدود الجغرافية. غير أن هذه القدرة قد تتحول أيضًا إلى مصدر للتجانس، إذا أصبحت الخوارزمية تعيد إنتاج الأنماط الأكثر انتشارًا على حساب الأصوات الهامشية أو التجارب النادرة.

وتبدو الشخصيات في هذا النوع من الروايات أشبه بتقاطعات بين آلاف السير الذاتية. فهي لا تُستنسخ من شخص واحد، بل تتكون من طبقات متعددة استخلصتها الخوارزمية من ملايين الوقائع الإنسانية. ولذلك قد نجد شخصية تحمل ملامح طبيب من القاهرة، وذاكرة موسيقي من بوينس آيرس، وعزلة شاعر من أوسلو، وأحلام مهاجر من الدار البيضاء، دون أن تكون نسخة من أي فرد بعينه.

إن الزمن السردي نفسه يتغير داخل الرواية المدفوعة بالبيانات. فبدل التسلسل التقليدي، تستطيع الخوارزمية أن تبني عشرات المسارات الزمنية المتوازية، وأن تحسب احتمالات تأثير كل حدث في الأحداث التالية، لتنتج بنية ديناميكية أقرب إلى الشبكات منها إلى الخطوط المستقيمة. وهكذا يغدو القارئ أمام عالم روائي متشعب، تتعدد فيه النهايات وفق اختيارات القراءة أو وفق الخوارزمية التي تعيد ترتيب الوقائع.

كما أن المكان الروائي لم يعد مجرد خلفية للأحداث، بل أصبح عقدة بيانات ضخمة. فالمدينة الرقمية تتكون من خرائط، وصور فضائية، وتعليقات السكان، وأرشيف الصحف، والإحصاءات الاقتصادية، والمناخ، والحركة اليومية، مما يمنح الرواية كثافة وصفية يصعب على الذاكرة الفردية وحدها أن توفرها.

لكن هذه الوفرة ليست بلا ثمن. فالبيانات تحمل معها تحيزات أصحابها، وثقافات المجتمعات التي أنتجتها، واختلالات اللغات الأكثر حضورًا على الإنترنت. ولذلك فإن الخوارزمية قد تعيد إنتاج الصور النمطية نفسها إذا لم تُصمم بعناية نقدية، وقد تمنح تمثيلًا أوسع للثقافات المهيمنة على حساب اللغات الأقل انتشارًا، ومنها اللغة العربية.

ومن هنا تنشأ مسؤولية الكاتب المعاصر. فوظيفته لم تعد تقتصر على اختيار الكلمات، بل تمتد إلى مساءلة البيانات ذاتها، وفحص مصادرها، واكتشاف انحيازاتها، وإعادة توجيه الخوارزمية نحو أفق أكثر إنصافًا وتنوعًا. إن الكاتب في هذا السياق يتحول إلى ناقد للآلة بقدر ما هو صانع للنص.

ولا يمكن تجاهل البعد الأخلاقي لهذا التحول. فإذا كانت الشخصيات تُبنى انطلاقًا من بيانات بشرية حقيقية، فأين تبدأ الخصوصية وأين تنتهي؟ وهل يحق للخوارزمية أن تستلهم ملامح أفراد حقيقيين دون علمهم؟ ثم من يملك الرواية الناتجة: الكاتب، أم مطور الخوارزمية، أم الجهة المالكة للبيانات التي بُني عليها النص؟

هذه الأسئلة لا تخص القانون وحده، بل تمس جوهر الأدب نفسه. فالرواية كانت دائمًا مساحة للحرية الإنسانية، وإذا أصبحت أسيرة لمعادلات احتمالية جامدة، فقد تفقد شيئًا من قدرتها على المفاجأة والانحراف الجميل عن المتوقع. فالإنسان يكتب أحيانًا ضد المنطق، بينما تميل الخوارزمية إلى ترجيح الاحتمال الأكثر اتساقًا مع البيانات التي تعلمت منها.

ومع ذلك، فإن التجارب الأولى في هذا المجال تكشف أن التعاون بين الإنسان والخوارزمية قد يفتح آفاقًا غير مسبوقة. فالآلة تقترح، والكاتب يختار. والخوارزمية تبني الاحتمالات، بينما يمنحها الإنسان الحساسية الجمالية والبعد الفلسفي والوعي التاريخي. ومن هذا التفاعل قد يولد شكل جديد من الرواية، لا يمكن نسبته بالكامل إلى الإنسان، ولا إلى الآلة، بل إلى فضاء إبداعي هجين يجمع بين الاثنين.

وأنا أرى أن القيمة الحقيقية للرواية المدفوعة بالبيانات لا تكمن في قدرتها على إنتاج نصوص بسرعة هائلة، بل في قدرتها على إعادة تعريف معنى الكتابة نفسها. فالكاتب لم يعد ذلك الفرد المنعزل الذي يواجه الورقة البيضاء وحده، وإنما أصبح مديرًا لمنظومة معرفية معقدة، ينتقي منها ما يخدم رؤيته ويستبعد ما يهدد استقلال خياله.

إن المستقبل لن يكون صراعًا بين الروائي والخوارزمية، بل سيكون اختبارًا لقدرة الإنسان على تحويل الوفرة الرقمية إلى تجربة جمالية ذات معنى. فالبيانات، مهما اتسعت، لا تبكي، ولا تحب، ولا تشعر بالندم، ولا ترتجف أمام الموت. إنها تقدم المادة الخام، أما الحياة التي تسري في النص فتظل، إلى الآن، رهينة تلك الشرارة الغامضة التي يسميها البشر إبداعًا.

ومن هذا المنظور، فإن الرواية المدفوعة بالبيانات ليست إعلانًا عن أفول الأدب، بل دعوة إلى إعادة اكتشاف حدوده. إنها مختبر مفتوح تتجاور فيه الرياضيات مع الشعر، والإحصاء مع العاطفة، والمنطق مع الحلم، والخوارزمية مع المخيلة. وكلما ازداد هذا الحوار عمقًا، اقتربنا من ولادة شكل روائي جديد، لا يكتفي بمحاكاة العالم، بل يعيد بناءه من خلال ملايين البيانات التي تتحول، بلمسة الإنسان، إلى مصائر وشخصيات وحكايات تنبض بالحياة.


0 التعليقات: