الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، يناير 24، 2026

مِنَ الرُّبَاطِ إِلَى العَالَمِ—ثَقَافَةٌ وَإِعْلَامٌ وَذَكَاءٌ اصْطِنَاعِيٌّ وَأَدَبٌ رَقْمِيٌّ فِي زَمَنٍ مُتَسَارِعٍ: إعدادعبده حقي

 


فِي الأُسْبُوعَيْنِ الأَخِيرَيْنِ، بَدَا العَالَمُ كَأَنَّهُ يَكْتُبُ نَصَّهُ عَلَى عَجَلٍ: مَشَاهِدُ فَنِّيَّةٌ تَتَحَرَّكُ بَيْنَ المَعَارِضِ وَالمَهْرَجَانَاتِ، وَصِحَافَةٌ تُحَاوِلُ أَنْ تُثْبِتَ مَعْنَاهَا أَمَامَ عَاصِفَةِ المُحْتَوَى السَّرِيعِ، وَتِكْنُولُوجْيَا تَدْفَعُ الذَّكَاءَ الاصْطِنَاعِيَّ مِنْ كَوْنِهِ أَدَاةً إِلَى كَوْنِهِ بِنْيَةً تَحْتِيَّةً تَخْتَلِطُ بِالحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ. وَفِي وَسَطِ هَذَا كُلِّهِ، يَتَقَدَّمُ الأَدَبُ الرَّقْمِيُّ كَصِيغَةٍ جَدِيدَةٍ لِلسَّرْدِ: نَصٌّ يَتَنَفَّسُ، وَيَتَفَاعَلُ، وَيَتَشَعَّبُ.

فِي المَغْرِبِ، تَظْهَرُ الإِشَارَاتُ الثَّقَافِيَّةُ كَأَنَّهَا تَسْتَعِدُّ لِمَوْسِمٍ أَكْبَرَ مِمَّا نَعْرِفُهُ فِي العَادَةِ. فَقَدْ تَرَسَّخَ خَبَرُ تَحْضِيرِ الدَّوْرَةِ الحَادِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ لِلمَعْرِضِ الدُّوَلِيِّ لِلنَّشْرِ وَالكِتَابِ بِالرِّبَاطِ، وَأُعْلِنَ عَنْ مَوْعِدٍ مُحَدَّدٍ يَمْتَدُّ مِنْ أَخِرِ أَبْرِيلَ إِلَى بَدَايَةِ مَايُو، مَعَ ضَيْفِ شَرَفٍ فَرَنْسَا وَاحْتِفَاءٍ بِشَخْصِيَّةِ ابْنِ بَطُّوطَةَ، فِي سِيَاقٍ يَرْتَبِطُ أَيْضًا بِكَوْنِ الرِّبَاطِ مُرَشَّحَةً لِأَنْ تَتَصَدَّرَ سَنَةً ثَقَافِيَّةً أَوْسَعَ تَحْتَ عُنْوَانِ “عَاصِمَةٍ عَالَمِيَّةٍ لِلكِتَابِ”. وَفِي الجِهَةِ الشَّمَالِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ، ظَهَرَ مِهْرَجَانُ “أَنْيَا” لِلثَّقَافَةِ الأَمَازِيغِيَّةِ بِالنَّاظُورِ كَفُرْصَةٍ لِجَعْلِ المَحَلِّيِّ مَرْكَزًا: أَغَانٍ وَعُرُوضٌ وَنَدَوَاتٌ وَأَنْشِطَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ تُرَاهِنُ عَلَى أَنْ تَبْقَى الثَّقَافَةُ الحَيَّةُ فِي المَدِينَةِ، لَا فِي الخُطَبِ فَقَطْ.

وَفِي العَالَمِ العَرَبِيِّ، يَتَّسِعُ المَشْهَدُ بَيْنَ مَشَارِيعَ فَنِّيَّةٍ وَمَوَاسِمَ مُتَرَاكِبَةٍ، وَبَيْنَ تَحَوُّلٍ هَادِئٍ نَحْوَ الرَّقْمَنَةِ فِي صِنَاعَةِ النَّشْرِ وَالقِرَاءَةِ. فَقَدْ بَرَزَتْ مُبَادَرَاتٌ لِتَوْسِيعِ مَكْتَبَاتٍ رَقْمِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ، وَطَرَحَتْ فِكْرَةَ إِتَاحَةِ آلَافِ العَنَاوِينِ فِي كِتَابٍ إِلِكْتُرُونِيٍّ وَكُتُبٍ مَسْمُوعَةٍ، بِمَا يَجْعَلُ “الوُصُولَ” جُزْءًا مِنْ مَعْنَى الثَّقَافَةِ اليَوْمَ، لَا تَرَفًا مُؤَجَّلًا. وَفِي الخَلِيجِ، تَتَحَرَّكُ المَهْرَجَانَاتُ الفَنِّيَّةُ فِي فَضَاءَاتِ التُّرَاثِ وَالمُدُنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُقَدِّمَ الفَنَّ كَتَجْرِبَةٍ مَكَانِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ لَا كَصُورَةٍ مُعَلَّقَةٍ فَقَطْ.

أَمَّا فِي إِفْرِيقِيَا، فَتَبْدُو العَلَاقَةُ بَيْنَ الثَّقَافَةِ وَالإِعْلَامِ وَالتِّكْنُولُوجْيَا أَكْثَرَ بَرَاغْمَاتِيَّةً: هُنَاكَ حَدِيثٌ مُتَصَاعِدٌ عَنْ تَوْجِيهِ التَّمْوِيلِ نَحْوَ الإِنْتَاجِ المَحَلِّيِّ فِي البَثِّ وَالمُحْتَوَى، وَهُنَاكَ أَيْضًا مَوْجَةٌ جَدِيدَةٌ مِنْ مَشَارِيعِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ تَتَّجِهُ نَحْوَ الخِدْمَاتِ العَامَّةِ، خُصُوصًا الصِّحَّةَ، بِمَا يَجْعَلُ السُّؤَالَ الثَّقَافِيَّ مُرْتَبِطًا بِالسِّيَاسَةِ العَامَّةِ: مَنْ يَكْتُبُ الخَوَارِزْمِيَّةَ؟ وَلِمَنْ تَعْمَلُ؟ وَكَيْفَ تَحْتَرِمُ لُغَاتِ النَّاسِ وَسِيَاقَاتِهِمْ؟

وَعَلَى المُسْتَوَى العَالَمِيِّ، تَتَقَدَّمُ الفُنُونُ كَعَادَتِهَا بِلُغَةِ المَعَارِضِ وَالمُرَاجَعَاتِ. فِي أُورُوبَّا، تَبْدَأُ مَعَارِضُ كُبْرَى فِي أَيَّامِ يَنَايِرَ الأَخِيرَةِ، وَتَسْتَعِيدُ أَسْمَاءٌ فَنِّيَّةٌ قَدِيمَةٌ مَكَانَتَهَا بِنَظْرَةٍ نَقْدِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تُنْصِفُ مَا أُهْمِلَ. وَفِي الوِلَايَاتِ المُتَّحِدَةِ، تَتَسَارَعُ أَجَنْدَةُ العُرُوضِ وَالاحْتِفَالِيَّاتِ الثَّقَافِيَّةِ مَعَ دُخُولِ مَوْسِمِ فَعَالِيَّاتِ شَهْرِ التَّارِيخِ الأَفْرِيقِيِّ، فَيَبْقَى الفَنُّ هُنَاكَ مُتَّصِلًا بِالسِّيرَةِ وَالهُوِيَّةِ وَحِكَايَاتِ المُجْتَمَعِ.

فِي المِحْوَرِ الثَّانِي—الصِّحَافَةِ وَالإِعْلَامِ وَالتِّكْنُولُوجْيَا وَالرَّقْمِيَّةِ وَالذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ—تَبْدُو الصُّورَةُ أَشَدَّ حِدَّةً. فِي المَغْرِبِ، يَتَصَدَّرُ نَقَاشٌ حَوْلَ “خَارِطَةِ طَرِيقٍ” وطنيَّةٍ لِلذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ، وَحَوْلَ شَرَاكَاتٍ تُرَاهِنُ عَلَى التَّكْوِينِ وَتَعْزِيزِ السِّيَادَةِ الرَّقْمِيَّةِ وَبِنَاءِ مَرَاكِزِ تَمَيُّزٍ، كَأَنَّ الرِّهَانَ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ “اسْتِهْلَاكِ تِقْنِيَّةٍ” بَلْ تَمَوْضُعٍ فِي سِلْسِلَةِ القِيمَةِ. وَفِي العَالَمِ العَرَبِيِّ، يَتَسَاعَدُ خِطَابٌ إِعْلَامِيٌّ يَدْعُو إِلَى تَطْوِيعِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ دَاخِلَ غُرَفِ الأَخْبَارِ بِدَلًا مِنْ مَوَاجَهَتِهِ بِالخَوْفِ، مَعَ تَزَايُدِ الأَسْئِلَةِ عَنِ الثِّقَةِ وَالمَصْدَرِيَّةِ وَحَقِّ الجُمْهُورِ فِي مَعْرِفَةِ كَيْفَ صُنِعَ المُحْتَوَى.

عَالَمِيًّا، تُصْبِحُ قَضِيَّةُ التَّشْرِيعِ وَالحِمَايَةِ جُزْءًا مِنْ العُنْوَانِ اليَوْمِيِّ: فَمَعَ تَزَايُدِ تِقْنِيَّاتِ التَّزْيِيفِ العَمِيقِ وَإِسَاءَةِ اسْتِخْدَامِ تَوْلِيدِ الصُّوَرِ، تَتَحَرَّكُ حُكُومَاتٌ نَحْوَ تَجْرِيمِ أَنْوَاعٍ مُحَدَّدَةٍ مِنَ المُحْتَوَى غَيْرِ الرِّضَائِيِّ، وَتَتَعَاظَمُ دَوْرُ الهَيْئَاتِ النَّاظِمَةِ فِي فَرْضِ قَوَاعِدَ عَلَى المَنْصَّاتِ. وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، تَتَقَدَّمُ السُّوقُ بِمُقْتَرَحَاتٍ تَقْنِيَّةٍ لِـ“وُكَلَاءِ” الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ وَيُدِيرُونَ الطَّلَبَاتِ وَيَتَنَقَّلُونَ بَيْنَ المَتَاجِرِ، مِمَّا يَنْقُلُ الصِّرَاعَ مِنْ مُسْتَوَى “الأَدَاةِ” إِلَى مُسْتَوَى “المَعْيَارِ” وَ“البُرُوتُوكُولِ”.

وَيَصِلُ النَّبْضُ إِلَى المِحْوَرِ الثَّالِثِ: الأَدَبِ الرَّقْمِيِّ. فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ، يَتَرَسَّخُ وُعْيٌ نَقْدِيٌّ يَرَى أَنَّ النُّصُوصَ لَمْ تَعُدْ تَكْفِي وَحْدَهَا، وَأَنَّ السَّرْدَ يَسْتَعِيرُ مِنَ الشَّاشَةِ وَالصَّوْتِ وَالتَّفَاعُلِ مَا يُعِيدُ تَشْكِيلَ تَجْرِبَةِ القِرَاءَةِ، وَتَظْهَرُ مَوَاقِفٌ تُسَمِّي هَذَا التَّحَوُّلَ “نَهْضَةً” لِأَنَّهُ يَفْتَحُ أَجْنَاسًا سَرْدِيَّةً تُوَاكِبُ إِيقَاعَ العَصْرِ. وَفِي إِفْرِيقِيَا، تَتَكَوَّنُ مَنْصَّاتُ حَكْيٍ رَقْمِيٍّ تُقَدِّمُ القِصَّةَ كَخِبْرَةٍ مُشَارَكَةٍ، وَتُرَاهِنُ عَلَى تَحْوِيلِ القُرَّاءِ إِلَى مُسَاهِمِينَ، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ السَّرْدُ جُزْءًا مِنِ اقْتِصَادِ المُحْتَوَى لَا مِنْ هَامِشِهِ. وَعَالَمِيًّا، تَتَحَرَّكُ المُؤْتَمَرَاتُ وَالدَّعَوَاتُ وَالإِقَامَاتُ الإِبْدَاعِيَّةُ فِي مَجَالِ “الأَدَبِ الإِلِكْتُرُونِيِّ” وَ“الوَسَائِطِ التَّفَاعُلِيَّةِ”، وَتَتَقَدَّمُ عُنْوَانَاتٌ تُلَامِسُ أَخْلَاقِيَّاتِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ فِي الإِنْسَانِيَّاتِ، وَحُدُودَ مِلْكِيَّةِ النَّصِّ، وَمَصِيرَ “المُؤَلِّفِ” فِي عَصْرِ الخَوَارِزْمِيَّاتِ.


0 التعليقات: