في فضاء إعلامي مغاربي يتقاطع فيه السياسي بالاجتماعي، والرقمي بالشفهي، لم تعد صحافة البيانات ترفاً مهنياً ولا موضة عابرة، بل أصبحت جزءاً من بنية السرد اليومي. غير أن هذا التحول، على أهميته التقنية، كشف هشاشة عميقة: الأرقام تتكاثر، بينما الإنسان يتوارى. هنا يفرض التعاطف الرقمي نفسه لا كمصطلح أكاديمي فحسب، بل كضرورة مهنية وأخلاقية تعيد التوازن إلى صحافة كادت تنزلق نحو برودة الحساب.
في بلدان المغرب الكبير، حيث الذاكرة الجماعية مثقلة بالتجارب الاستعمارية، والتحولات الاجتماعية السريعة، لا يمكن للخبر أن يعيش معزولاً عن سياقه الإنساني. الرقم، مهما بدا محايداً، لا يولد في فراغ. فهو ابن شروطه السياسية والاقتصادية، وصدى اختيارات تحريرية قد تكون واعية أو عمياء. لهذا، فإن التعامل مع البيانات دون حسّ إنساني يشبه قراءة تاريخ المنطقة من خلال الجداول فقط، متجاهلين العرق والدمع والتردد الذي صنع تلك اللحظات.
تشير كاثي أونيل في كتابها Weapons of Math Destruction إلى أن النماذج الحسابية، حين تُستعمل بلا مساءلة أخلاقية، تتحول إلى أدوات إقصاء ناعمة. هذا التحذير يجد صداه في التجربة المغاربية، حيث تُستعمل الأرقام أحياناً لتبسيط معضلات اجتماعية معقدة: البطالة تُختزل في نسب، والهجرة في منحنيات، والفقر في مؤشرات، وكأن الإنسان عنصر زائد عن المعادلة. في هذه النقطة بالذات، تتعثر الصحافة إن لم تمتلك شجاعة إعادة إدخال الصوت البشري إلى قلب السرد.
لقد أظهرت تغطيات جائحة كوفيد-19 في المنطقة هذا التناقض بوضوح. كانت نشرات الأخبار تتنافس في عرض أعداد الإصابات والوفيات، بينما ظلت قصص الأطباء المنهكين، والعائلات المحاصرة، والعمال الهشّين في الهامش. ما أعاد التوازن لم يكن تحديث الأرقام، بل تلك الشهادات الصغيرة التي تسللت إلى بعض التقارير، فحوّلت الإحصاء من رقم بارد إلى جرح مفتوح يمكن فهمه.
في الصحافة المغاربية، لا يزال للسرد الشفهي وزن خاص. القارئ لا يبحث فقط عن المعلومة، بل عن النبرة، عن ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الخبر بحياته اليومية. وهنا يتقاطع طرح هنري جينكنز في Convergence Culture مع واقعنا المحلي، إذ يؤكد أن الجمهور المعاصر شريك في إنتاج المعنى، لا مستهلكاً سلبياً. التعاطف الرقمي، بهذا المعنى، ليس تنازلاً عن المهنية، بل شرطاً لبناء الثقة في بيئة إعلامية تتآكل فيها المصداقية.
غير أن هذا التعاطف لا يعني الوقوع في العاطفية السهلة أو استغلال الألم. الصحافة المغاربية، بما راكمته من تجارب نضالية ونقدية، تدرك خطورة الخطاب الشعبوي. المطلوب ليس البكاء مع الضحية، بل الإنصات لها، وتمكينها من الظهور داخل البيانات لا خارجها. يشبه الأمر إعادة كتابة الهامش داخل المتن، بحيث يصبح الإنسان جزءاً من التحليل، لا زينة لغوية في نهايته.
في زمن الذكاء الاصطناعي، يواجه الصحفي المغاربي تحدياً مزدوجاً: إتقان الأدوات الرقمية، والحفاظ على حسّه الإنساني. فالخوارزمية، مهما بلغت دقتها، لا تعرف الخصوصيات الثقافية، ولا تفهم الإشارات الصامتة التي تشكل نسيج المجتمعات المغاربية. وحده الصحفي، بخبرته الميدانية وذاكرته الاجتماعية، قادر على سدّ هذه الفجوة.
التعاطف الرقمي، في هذا السياق، يصبح شكلاً من أشكال المقاومة المهنية. مقاومة اختزال الواقع، ومقاومة تحويل الصحفي إلى مجرد مشغّل بيانات. هو تذكير دائم بأن الصحافة وُجدت لتقول ما لا تقوله الأرقام وحدها، ولتمنح صوتاً لمن لا يظهرون في الجداول.
إن مستقبل صحافة البيانات في المغرب الكبير لن يُحسم في المختبرات التقنية، بل في غرف التحرير، حيث يُتخذ القرار اليومي: هل نكتفي بما تقوله الخوارزمية، أم نذهب خطوة أبعد، نحو الإنسان؟ حين نختار الطريق الثاني، لا نكون أقل حداثة، بل أكثر وفاءً لجوهر المهنة. فالتقنية، دون تعاطف، معرفة ناقصة، والصحافة، دون إنسان، مجرد ضجيج رقمي بلا ذاكرة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق