أَصْدِقَائِي الْأَوْفِيَاءَ، أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ. نَحُطُّ الرِّحَالَ الْيَوْمَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي أَنْجَبَهَا الْأَدَبُ الْإِنْسَانِيُّ، رِوَايَةِ «الْجَرِيمَةُ وَالْعِقَابُ» لِلرُّوَائِيِّ الرُّوسِيِّ الْعَبْقَرِيِّ فيودور دوستويفسكي، وَهِيَ رِوَايَةٌ لَا تَكْتَفِي بِسَرْدِ حِكَايَةِ جَرِيمَةٍ، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى رِحْلَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ تُفَتِّشُ فِي أَعْمَاقِ الْإِنْسَانِ وَتَسْأَلُ أَسْئِلَةً كُبْرَى حَوْلَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَالضَّمِيرِ.
وُلِدَ فِيودُورُ دُوسْتُويِفْسْكِي فِي الْقَرْنِ
التَّاسِعِ عَشَرَ، وَيُعَدُّ مِنْ أَكْبَرِ كُتَّابِ الرِّوَايَةِ فِي
التَّارِيخِ. عَرَفَ السِّجْنَ وَالْمَنْفَى وَالْفَقْرَ وَالْمَرَضَ، وَتَرَكَتْ
تِلْكَ التَّجَارِبُ بَصْمَاتِهَا الْعَمِيقَةَ عَلَى أَعْمَالِهِ. وَقَدْ
نُشِرَتْ رِوَايَةُ «الْجَرِيمَةُ وَالْعِقَابُ» سَنَةَ 1866، وَسُرْعَانَ مَا
أَثَارَتْ إِعْجَابَ الْقُرَّاءِ وَالنُّقَّادِ بِمَا حَمَلَتْهُ مِنْ عُمْقٍ
نَفْسِيٍّ وَفَلْسَفِيٍّ نَادِرٍ.
تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ فِي مَدِينَةِ سانت
بطرسبرغ الرُّوسِيَّةِ، حَيْثُ نَتَعَرَّفُ عَلَى الطَّالِبِ الْفَقِيرِ
رَاسْكُولْنِيكُوف، الشَّابِّ الذَّكِيِّ الَّذِي يُعَانِي الْفَقْرَ
وَالْعُزْلَةَ وَالِاضْطِرَابَ النَّفْسِيَّ. يَبْتَكِرُ هَذَا الشَّابُّ
نَظَرِيَّةً خَطِيرَةً تُقَسِّمُ الْبَشَرَ إِلَى فِئَتَيْنِ: أُنَاسٍ عَادِيِّينَ
يَخْضَعُونَ لِلْقَوَانِينِ، وَأُنَاسٍ اسْتِثْنَائِيِّينَ يَمْلِكُونَ الْحَقَّ
فِي تَجَاوُزِهَا مِنْ أَجْلِ غَايَاتٍ كُبْرَى.
وَبِدَافِعِ هَذِهِ الْفِكْرَةِ، يُقْدِمُ عَلَى
قَتْلِ مُرَابِيَةٍ عَجُوزٍ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا شَرٌّ عَلَى الْمُجْتَمَعِ.
وَلَكِنَّ الْجَرِيمَةَ الَّتِي ظَنَّهَا عَمَلًا عَقْلَانِيًّا تَتَحَوَّلُ إِلَى
كَابُوسٍ لَا يَنْتَهِي. فَبَدَلًا مِنَ التَّحَرُّرِ، يَجِدُ نَفْسَهُ أَسِيرًا
لِعَذَابِ الضَّمِيرِ وَالْخَوْفِ وَالْهَوَسِ. وَهُنَا تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ
الْحَقِيقِيَّةُ: رِوَايَةُ الصِّرَاعِ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالضَّمِيرِ، وَبَيْنَ
الْفِكْرَةِ وَالْحَقِيقَةِ.
وَإِلَى جَانِبِ رَاسْكُولْنِيكُوف، تَبْرُزُ
شَخْصِيَّةُ سُونْيَا، الْفَتَاةُ الْفَقِيرَةُ الَّتِي تُمَثِّلُ النُّورَ
الرُّوحِيَّ وَالْإِيمَانَ وَالرَّحْمَةَ. وَمِنْ خِلَالِ الْعَلَاقَةِ
بَيْنَهُمَا، يَقُودُنَا دُوسْتُويِفْسْكِي إِلَى تَأَمُّلَاتٍ عَمِيقَةٍ حَوْلَ
الْخَطِيئَةِ وَالتَّوْبَةِ وَإِمْكَانِيَّةِ الْخَلَاصِ.
تَأْتِي هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي سِيَاقٍ
تَارِيخِيٍّ مُعَقَّدٍ. فَقَدْ كَانَتْ رُوسِيَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ
الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ تَعِيشُ تَحَوُّلَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةً وَفِكْرِيَّةً
عَمِيقَةً. وَكَانَتِ الْأَفْكَارُ الثَّوْرِيَّةُ وَالنِّظَرِيَّاتُ
الْمَادِّيَّةُ وَالنِّزْعَاتُ الْعَقْلَانِيَّةُ تَجْذِبُ كَثِيرًا مِنَ
الشَّبَابِ الْمُتَعَلِّمِ. وَفِي هَذَا الْمُنَاخِ، جَاءَتِ الرِّوَايَةُ
لِتُحَذِّرَ مِنْ خَطَرِ الْأَفْكَارِ الَّتِي تَضَعُ الْإِنْسَانَ فَوْقَ
الْأَخْلَاقِ وَالضَّمِيرِ.
وَقَدِ اعْتُبِرَتْ «الْجَرِيمَةُ وَالْعِقَابُ»
رِوَايَةً خَالِدَةً لِأَنَّهَا تَجَاوَزَتْ زَمَانَهَا وَمَكَانَهَا.
فَالْأَسْئِلَةُ الَّتِي تَطْرَحُهَا مَا زَالَتْ حَيَّةً إِلَى الْيَوْمِ: هَلْ
يُمْكِنُ تَبْرِيرُ الْجَرِيمَةِ بِاسْمِ الْمَنْفَعَةِ؟ هَلْ يَسْتَطِيعُ
الْإِنْسَانُ الْهَرَبَ مِنْ ضَمِيرِهِ؟ وَمَا الْحُدُودُ بَيْنَ الْعَدَالَةِ
وَالِانْتِقَامِ؟
وَقَدْ أَثَّرَتِ الرِّوَايَةُ تَأْثِيرًا هَائِلًا
فِي الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ. فَكَثِيرٌ مِنَ الرُّوَائِيِّينَ وَالْمُفَكِّرِينَ
اسْتَلْهَمُوا مِنْهَا طَرِيقَةَ الْغَوْصِ فِي النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ. كَمَا
أَسْهَمَتْ فِي ظُهُورِ مَا يُعْرَفُ بِالرِّوَايَةِ النَّفْسِيَّةِ الْحَدِيثَةِ،
وَأَثَّرَتْ فِي كُتَّابٍ كِبَارٍ فِي أُورُوبَّا وَأَمْرِيكَا وَسَائِرِ
أَنْحَاءِ الْعَالَمِ.
أَمَّا فِي السِّينَمَا، فَقَدْ حَظِيَتِ
الرِّوَايَةُ بِعَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الِاقْتِبَاسَاتِ السِّينَمَائِيَّةِ
وَالتِّلْفَازِيَّةِ فِي بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَكَانَتْ شَخْصِيَّةُ
رَاسْكُولْنِيكُوف مِنْ أَكْثَرِ الشَّخْصِيَّاتِ الْأَدَبِيَّةِ جَاذِبِيَّةً
لِلْمُخْرِجِينَ وَالْمُمَثِّلِينَ بِسَبَبِ تَعْقِيدِهَا النَّفْسِيِّ وَغِنَاهَا
الدَّرَامِيِّ.
وَفِي الْفَلْسَفَةِ، تَرَكَتِ الرِّوَايَةُ
أَثَرًا بَالِغًا عَلَى النِّقَاشَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحُرِّيَّةِ
وَالْمَسْؤُولِيَّةِ وَالضَّمِيرِ الْأَخْلَاقِيِّ. وَيَرَى كَثِيرٌ مِنَ
الْبَاحِثِينَ أَنَّهَا مَهَّدَتِ الطَّرِيقَ لِعَدَدٍ مِنَ الْأَفْكَارِ الَّتِي
سَتَظْهَرُ فِيمَا بَعْدُ فِي الْفَلْسَفَةِ الْوُجُودِيَّةِ.
وَمِنْ أَشْهَرِ اقْتِبَاسَاتِ الرِّوَايَةِ قَوْلُ
رَاسْكُولْنِيكُوف:
«إِنَّ الْإِنْسَانَ يَعْتَادُ كُلَّ شَيْءٍ.»
وَهِيَ جُمْلَةٌ قَصِيرَةٌ، وَلَكِنَّهَا تَحْمِلُ
تَأَمُّلًا عَمِيقًا فِي قُدْرَةِ الْبَشَرِ عَلَى التَّكَيُّفِ مَعَ
الْمُعَانَاةِ وَالظُّرُوفِ الْقَاسِيَةِ.
أَمَّا رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ، فَإِنِّي
أَعْتَبِرُ «الْجَرِيمَةَ وَالْعِقَابَ» مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي لَا تُقْرَأُ
مَرَّةً وَاحِدَةً. فَكُلُّ عَوْدَةٍ إِلَيْهَا تَكْشِفُ طَبَقَةً جَدِيدَةً مِنَ
الْمَعَانِي وَالْأَسْئِلَةِ. وَلَعَلَّ أَعْظَمَ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ
أَنَّهَا تُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الْمَحْكَمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ دَائِمًا
فِي قَاعَاتِ الْقَضَاءِ، بَلْ فِي أَعْمَاقِ الضَّمِيرِ الْإِنْسَانِيِّ.
أَعِزَّائِي الْمُسْتَمِعِينَ، نَصِلُ إِلَى
خِتَامِ حَلْقَتِنَا الْيَوْمَ، عَلَى أَمَلِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّحْلَةُ
قَدْ أَثَارَتْ فُضُولَكُمْ لِقِرَاءَةِ هَذِهِ الرَّائِعَةِ الْخَالِدَةِ. وَفِي
الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ، سَنَفْتَحُ مَعًا صَفَحَاتِ عَمَلٍ أَدَبِيٍّ آخَرَ
لَا يَقِلُّ سِحْرًا وَعُمْقًا، لِنُوَاصِلَ اكْتِشَافَ الْكُنُوزِ الَّتِي
تَخْتَبِئُ بَيْنَ سُطُورِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ.
إِلَى اللِّقَاءِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق