الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مارس 17، 2026

خيوط السيليكون بين الرباط وتل أبيب في زمن التحولات الرقمية: عبده حقي

 


في لحظة تاريخية مشحونة بتقلبات الجغرافيا السياسية وتسارع الاقتصاد الرقمي، تتشكل بين الرباط وتل أبيب ملامح شراكة جديدة لا تُقاس فقط بمؤشرات التجارة أو التعاون العسكري، بل تُقرأ في ضوء ما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية الخوارزميات"، حيث تصبح التكنولوجيا لغة مشتركة تتجاوز الحساسيات التقليدية وتعيد رسم خرائط النفوذ والابتكار.

تشير المعطيات الحديثة إلى أن وفداً اقتصادياً مغربياً يستعد للتوجه إلى إسرائيل خلال الأسابيع المقبلة، بمبادرة من منظمة غير حكومية إسرائيلية ذات حضور مؤثر في دوائر القرار الاقتصادي والتكنولوجي، في خطوة تعكس انتقال العلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر تخصصاً وتركيزاً على الاقتصاد الرقمي والابتكار . هذه الزيارة، وإن بدت في ظاهرها تقنية، تحمل في عمقها دلالات سياسية واقتصادية معقدة، خاصة في سياق إقليمي ودولي يتسم بتزايد الرهان على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.

لقد دخلت العلاقات المغربية الإسرائيلية، منذ استئنافها الرسمي في ديسمبر 2020، مرحلة إعادة تشكيل متسارعة، حيث لم تعد تقتصر على مجالات تقليدية، بل امتدت إلى قطاعات حساسة مثل الدفاع والتكنولوجيا والبحث العلمي. ففي السنوات الأخيرة، شهد التعاون العسكري بين البلدين قفزة نوعية، من خلال توقيع خطط عمل مشتركة وتطوير مشاريع في مجالات الطائرات بدون طيار والأنظمة الدفاعية المتقدمة . غير أن ما يميز المرحلة الراهنة هو انتقال هذا التعاون من "صلابة السلاح" إلى "مرونة الخوارزمية".

إن الحديث عن تعاون تكنولوجي بين الرباط وتل أبيب يستدعي استحضار النموذج الإسرائيلي في الابتكار، الذي تحول إلى ما يشبه "وادي السيليكون" الشرق أوسطي، حيث تتلاقى الشركات الناشئة مع مراكز البحث والجامعات في منظومة ديناميكية تنتج حلولاً في مجالات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الزراعية، والتكنولوجيا المالية. في هذا السياق، يبدو أن المغرب يسعى إلى استلهام هذا النموذج، ليس عبر الاستيراد المباشر، بل من خلال ما يمكن تسميته بـ"نقل المعرفة الاستراتيجي".

ولعل هذا ما يفسر اهتمام الرباط بتطوير منظومة وطنية للابتكار، تتقاطع فيها الجامعات مع القطاع الخاص، وتُستثمر فيها البنية التحتية الرقمية، مثل المناطق التكنولوجية ومراكز البيانات. فالتعاون مع إسرائيل، في هذا الإطار، قد يتيح للمغرب تسريع انتقاله نحو اقتصاد المعرفة، خاصة في ظل التنافس الإقليمي مع قوى صاعدة في إفريقيا والشرق الأوسط.

غير أن هذا المسار لا يخلو من تعقيدات. فالتقارب المغربي الإسرائيلي، رغم ما يتيحه من فرص اقتصادية وتكنولوجية، يظل محاطاً بحساسيات سياسية واجتماعية، خاصة في ظل استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد أظهرت السنوات الماضية وجود معارضة داخل بعض الأوساط الأكاديمية والمجتمعية المغربية لهذا التقارب، معتبرة أنه يتعارض مع الموقف التاريخي الداعم للقضية الفلسطينية.

لكن المفارقة تكمن في أن الدولة المغربية تحاول إدارة هذا التوازن الدقيق بين الواقعية السياسية والالتزام الرمزي، حيث تستمر في تعزيز علاقاتها مع إسرائيل في مجالات استراتيجية، مع الحفاظ على خطاب رسمي داعم لحقوق الفلسطينيين. هذا التوازن يعكس ما يمكن تسميته بـ"البراغماتية المغربية"، التي تقوم على تنويع الشراكات الدولية بما يخدم المصالح الوطنية.

في هذا الإطار، يمكن قراءة الزيارة المرتقبة للوفد المغربي إلى تل أبيب باعتبارها حلقة جديدة في سلسلة من المبادرات التي تهدف إلى ترسيخ التعاون الاقتصادي والتكنولوجي. ومن المرجح أن تشمل هذه الزيارة لقاءات مع شركات ناشئة، ومراكز بحث، وربما مؤسسات حكومية معنية بالابتكار، ما قد يفتح الباب أمام مشاريع مشتركة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الزراعية.

كما أن دور المنظمات غير الحكومية في تسهيل هذا التعاون يطرح تساؤلات حول طبيعة الفاعلين الجدد في العلاقات الدولية. فلم تعد الدولة هي اللاعب الوحيد، بل أصبحت الشبكات غير الرسمية، من مراكز التفكير إلى المنظمات المهنية، تلعب دوراً متزايداً في بناء الجسور بين الدول. وفي هذا السياق، تبدو المبادرة الإسرائيلية لتنظيم هذه الزيارة دليلاً على ما يمكن تسميته بـ"الدبلوماسية غير التقليدية"، التي تعتمد على الفاعلين غير الحكوميين لتجاوز القيود السياسية.

ومن زاوية أوسع، يندرج هذا التعاون ضمن تحولات عالمية أعمق، حيث أصبحت التكنولوجيا أداة رئيسية في إعادة تشكيل موازين القوى. فالدول التي تملك القدرة على إنتاج المعرفة التكنولوجية وتوظيفها، هي التي تحدد قواعد اللعبة في الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، يسعى المغرب إلى تعزيز موقعه كفاعل إقليمي في مجال الابتكار، مستفيداً من موقعه الجغرافي كبوابة بين إفريقيا وأوروبا، ومن استقراره السياسي النسبي.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في بناء شراكات خارجية، بل في القدرة على تحويل هذه الشراكات إلى قيمة مضافة داخلية. فالتجارب الدولية تُظهر أن نقل التكنولوجيا لا ينجح إلا إذا كان مصحوباً ببناء القدرات المحلية، وتطوير منظومة تعليمية وبحثية قادرة على استيعاب هذه التكنولوجيا وتطويرها.

هنا، يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع المغرب أن يتحول من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج لها؟ وهل يمكن لهذا التعاون مع إسرائيل أن يكون خطوة في هذا الاتجاه، أم أنه سيظل في إطار تبادل غير متكافئ؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى، تقوم على الاستثمار في التعليم، ودعم البحث العلمي، وتشجيع ريادة الأعمال. كما تتطلب أيضاً قدرة على إدارة التوترات السياسية المرتبطة بهذا التعاون، بما يضمن استمراريته دون المساس بالثوابت الوطنية.

في النهاية، يمكن القول إن خيوط التعاون التكنولوجي بين الرباط وتل أبيب لا تُنسج فقط في المختبرات ومراكز البحث، بل أيضاً في فضاء معقد من التفاعلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. إنها قصة عن عالم يتغير، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الدبابات، بل بعدد الخوارزميات، وحيث تصبح المعرفة هي العملة الجديدة للسيادة.

وفي هذا العالم، يبدو أن المغرب اختار أن يكتب فصلاً جديداً من تاريخه، ليس بالحبر وحده، بل أيضاً بالكود.


0 التعليقات: