الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مارس 17، 2026

اقتصاد الخوارزميات يلتهم جسد العمل الرقمي: إعداد عبده حقي

 


تبدو شركة Meta Platforms وكأنها تعيد كتابة روايتها الكبرى على ضوء معادلة جديدة: الذكاء الاصطناعي مقابل الإنسان. فالأخبار المتواترة في الأيام الأخيرة، كما تؤكد تقارير وكالات دولية ومواقع اقتصادية، تشير إلى أن الشركة تفكر في تسريح ما قد يصل إلى 20% من قوتها العاملة، أي ما يقارب خمسة عشر ألف موظف، في خطوة تهدف إلى تمويل استثماراتها الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي .

غير أن هذا القرار، إن تحقق، لا يمكن قراءته فقط كإجراء إداري تقليدي، بل هو انعطافة حضارية في بنية الاقتصاد الرقمي، حيث لم يعد العامل البشري مركز الثقل كما كان في الاقتصاد الصناعي، بل أصبح جزءاً من معادلة قابلة للاستبدال داخل منظومة خوارزمية تتعلم وتتطور بلا توقف.

إن ما يجري داخل ميتا اليوم يندرج ضمن سباق عالمي محموم نحو الهيمنة على الذكاء الاصطناعي، وهو سباق لا يعترف إلا بالكفاءة الحسابية والقدرة على معالجة البيانات على نطاق هائل. فالشركة تخطط لضخ ما يصل إلى 135 مليار دولار في استثمارات الذكاء الاصطناعي خلال سنة واحدة فقط، وهو رقم يكشف عن تحول جذري في أولوياتها الاستراتيجية . هذه الاستثمارات لا تتعلق فقط بتطوير النماذج اللغوية أو أنظمة التوصية، بل تشمل أيضاً بناء بنية تحتية ضخمة من مراكز البيانات، التي تُعد بمثابة المصانع الجديدة لعصر المعلومات.

في هذا السياق، يصبح التسريح الجماعي ليس مجرد تقليص للتكاليف، بل إعادة توزيع للموارد: من الأجور البشرية إلى رأس المال التكنولوجي. وكأن الشركة تقول، بلغة غير معلنة، إن المستقبل لن يُبنى بالموظفين بقدر ما سيُبنى بالخوارزميات.

لكن هذه الرؤية، على الرغم من بريقها التكنولوجي، تطرح أسئلة عميقة حول معنى العمل في العصر الرقمي. فإذا كانت الخوارزميات قادرة على كتابة النصوص، وتحليل البيانات، واتخاذ القرارات، فما الذي يتبقى للإنسان؟ هل سنشهد، كما يتخيل بعض المفكرين، نهاية الوظيفة التقليدية وبداية عصر "العمل الخوارزمي"؟

إن ميتا ليست وحدها في هذا المسار. فشركات كبرى مثل أمازون وبِنترست وغيرها بدأت بالفعل في تقليص عدد موظفيها بالتوازي مع توسيع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، مما يشير إلى تحول بنيوي في سوق العمل العالمي . نحن أمام موجة جديدة من "إعادة الهيكلة الذكية"، حيث يتم استبدال المهام البشرية القابلة للأتمتة بأنظمة ذكية أكثر سرعة وأقل تكلفة.

وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء، سنجد أن ميتا نفسها كانت قد أعلنت في 2022 و2023 عن "عام الكفاءة"، الذي شهد تسريح عشرات الآلاف من الموظفين في محاولة لإعادة ضبط مسارها بعد استثماراتها الضخمة في مشروع "الميتافيرس" . لكن المفارقة اليوم هي أن الشركة لم تتخل عن طموحها التوسعي، بل غيرت فقط وجهته: من العوالم الافتراضية إلى العقول الاصطناعية.

في هذا التحول، تتجلى مفارقة العصر: كلما ازداد الذكاء الاصطناعي تطوراً، تقلصت الحاجة إلى الذكاء البشري في بعض المجالات. وكأننا أمام نوع جديد من "الداروينية الرقمية"، حيث لا يبقى في السوق إلا من يستطيع التكيف مع شروط الخوارزمية.

غير أن هذا التحليل لا ينبغي أن يقودنا إلى نظرة تشاؤمية مطلقة. فكما أن الذكاء الاصطناعي يهدد بعض الوظائف، فإنه يخلق في المقابل وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة، مثل هندسة البيانات، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتصميم النماذج التوليدية. لكن المشكلة تكمن في الفجوة الزمنية بين اختفاء الوظائف القديمة وظهور الوظائف الجديدة، وهي فجوة قد تتحول إلى أزمة اجتماعية إذا لم تتم إدارتها بحكمة.

في هذا الإطار، تبرز مسؤولية الحكومات والمؤسسات التعليمية في إعادة تأهيل القوى العاملة، بحيث لا تتحول الثورة التكنولوجية إلى عامل إقصاء، بل إلى فرصة للاندماج. فالمستقبل، كما يبدو، لن يكون لمن يمتلك المعرفة فقط، بل لمن يمتلك القدرة على التعلم المستمر.

أما على المستوى الثقافي، فإن ما يحدث داخل ميتا يعيد طرح سؤال العلاقة بين الإنسان والآلة في سياق جديد. لم تعد الآلة مجرد أداة في يد الإنسان، بل أصبحت شريكاً—وربما منافساً—في إنتاج المعرفة. وهذا ما يجعل من الأدب الرقمي، الذي تهتمون به، مجالاً خصباً لاستكشاف هذه العلاقة، حيث يمكن للكاتب أن يتحول إلى مبرمج، وللنص أن يتحول إلى خوارزمية.

إن قرار ميتا المحتمل بتسريح خُمس موظفيها ليس مجرد خبر اقتصادي عابر، بل هو علامة على تحول عميق في بنية العالم الذي نعيش فيه. عالمٌ تُكتب فيه القرارات الكبرى بلغة البيانات، وتُقاس فيه القيمة بقدرة الخوارزمية على التنبؤ بالمستقبل.

وفي النهاية، يمكن القول إننا لا نعيش فقط ثورة تكنولوجية، بل نعيش إعادة تعريف شاملة لمعنى العمل، والمعرفة، وحتى الإنسانية نفسها. وفي قلب هذه التحولات، تقف ميتا، لا كفاعل اقتصادي فحسب، بل كمرآة تعكس ملامح عصرٍ جديد، قد يكون أكثر ذكاءً… لكنه بالتأكيد أكثر قسوة على من لا يجيد قراءة شفراته.


0 التعليقات: