الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أبريل 16، 2026

إدريس الشرايبي كاتب يمشي في الزمن ويكتب ضد النسيان: عبده حقي


في مئويته يخرج  الكاتب المغربي إدريس الشرايبي من بين الكلمات، كأن النصوص التي كتبها لم تعد قادرة على احتوائه. هو ليس ذكرى، بل سؤال حي، يمشي بيننا، يراقبنا ونحن نعيد قراءة العالم بعيون أقل جرأة.

الشرايبي لم يكن يكتب، بل كان يهدم. كل رواية كانت مطرقة، وكل جملة ضربة في جدار الصمت. من “الماضي البسيط” إلى “الرجل الذي جاء من الماضي”، ظل يطارد ذاته، كأنه يخشى أن يتحول إلى نسخة مطمئنة من نفسه. لم يكن يريد أن يكون مفهوماً، بل كان يريد أن يكون مزعجاً، قلقاً، مثل فكرة لا تجد مكانها.

في الاحتفالات التي تُقام باسمه، تبدو صوره هادئة، مبتسمة، كأن الزمن نجح في ترويضه. لكن من يقرأه يعرف أن خلف تلك الابتسامة ناراً لا تنطفئ. الشرايبي كان يكتب ضد العائلة، ضد السلطة، ضد الاستعمار، وضد نفسه أيضاً. كان يكتب كمن يفتح جرحاً، لا ليعالجه، بل ليتأكد أنه ما زال حياً.

البرنامج الثقافي الذي يحتفي به يبدو كطقس استدعاء. كأن المثقفين يجتمعون ليقولوا: عد، نحن بحاجة إلى صوتك. لكن هل يمكن للكاتب أن يعود؟ أم أن العودة الحقيقية تكون عبر النصوص التي ترفض أن تموت؟

في عالم اليوم، حيث تُستهلك الكلمات بسرعة، يبدو الشرايبي ككائن من زمن آخر. كاتب لا يهادن، لا يساوم، لا يكتب ليُعجب، بل ليُزعج. وربما لهذا السبب، ما زال حاضراً. لأن الحقيقة، مهما تغيرت الأشكال، تظل بحاجة إلى من يقولها دون خوف.

في لحظة سريالية، يمكن تخيل الشرايبي جالساً في أحد مقاهي الرباط، يراقب الناس وهم يمرون، يفتح هاتفاً ذكياً، يبتسم بسخرية، ثم يغلقه، ويعود إلى دفتر قديم. هناك، في ذلك الدفتر، ما زالت الكلمات حرة، غير خاضعة للخوارزميات.

مئويته ليست احتفالاً، بل اختبار. اختبار لقدرتنا على قراءة كاتب لم يكن يريد أن يُقرأ بسهولة. اختبار لعلاقتنا بالأدب، وبالحقيقة، وبأنفسنا.

0 التعليقات: