الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أبريل 16، 2026

محنة الكتب الممنوعة اليوم مع رواية "الزعيم يحلق شعره " ملف من إعداد عبده حقي


تقف رواية الزعيم يحلق شعره للكاتب المصري إدريس علي بوصفها نصاً إشكالياً لا يقرأ فقط كعمل سردي، بل كوثيقة احتجاج مكتوبة بلغة الأدب، وبلسان شاهدٍ عاش التجربة في قلبها.

نصٌّ يكتب التاريخ من زاوية الهامش

لا يمكن قراءة هذه الرواية بمعزل عن سياقها التاريخي؛ فهي تعود إلى أواخر السبعينيات، زمن التوتر السياسي بين مصر وليبيا بعد اتفاقية كامب ديفيد، وهي فترة عاشها الكاتب نفسه داخل المجتمع الليبي، حيث عمل هناك واحتكّ مباشرةً بواقع العمال المصريين .

لكن إدريس علي لا يكتب التاريخ من أعلى، بل من أسفله؛ من عرق العمال، من غرفهم الضيقة، من خوفهم اليومي، ومن شعورهم بالاغتراب داخل وطن عربي يُفترض أنه “شقيق”. هكذا تتحول الرواية إلى مرآة مكسورة تعكس صورة مزدوجة: قسوة السلطة، وهشاشة الإنسان.

الزعيم ككائن كاريكاتوري

العنوان نفسه، الزعيم يحلق شعره، يحمل دلالة ساخرة: فعل بسيط، يومي، يتحول إلى حدث سياسي، وكأن كل ما يقوم به “الزعيم” يستحق التأويل. هنا تتجلى براعة إدريس علي في تحويل الشخصية السياسية إلى كائن شبه كاريكاتوري، يتأرجح بين العبث والجنون.

وقد وصفت الرواية الزعيم (في إحالة واضحة إلى معمر القذافي) بأنه شخصية “عابثة ومجنونة”، وهو توصيف لم يكن بريئاً، بل كان سبباً مباشراً في إثارة الجدل ومصادرة العمل

إننا أمام تفكيك أدبي لصورة الحاكم، لا عبر الخطابة، بل عبر السخرية السوداء التي تفضح تناقضاته، وتحوّله إلى رمز للسلطة المطلقة التي تفقد عقلها تدريجياً.

لغة القهر: بين الواقعية الفجة والاتهام بالابتذال

من أكثر ما أثار الجدل في الرواية هو لغتها المباشرة، التي لا تتردد في نقل الشتائم اليومية، والحوارات الخشنة بين العمال والمواطنين. وقد أُخذ على النص أنه “خادش للحياء”، رغم أن الكاتب دافع عنه مؤكداً أن هذه اللغة لا تتجاوز حدود الواقع الذي ينقله .

في أحد المقاطع اللافتة، تتصاعد الشتائم بين شخصيتين في مشهد يعكس الاحتقان الاجتماعي، حيث تختلط الكرامة بالإهانة، والعمل بالاستغلال. هذه اللغة ليست ترفاً أسلوبياً، بل هي جزء من بنية القهر نفسها؛ إذ لا يمكن تصوير العنف بلغة مهذبة.

الرواية كفضيحة سياسية

الرواية لم تكن مجرد عمل أدبي، بل تحولت إلى قضية سياسية. فقد صودرت نسخها، واعتُقل ناشرها، في خطوة اعتبرها كثيرون “مجاملة سياسية” للنظام الليبي آنذاك .

هذا المصير يكشف أن النص أصاب هدفه؛ إذ نجح في زعزعة صورة السلطة، ليس فقط داخل ليبيا، بل في المجال العربي الأوسع. لقد كتب إدريس علي نصاً يفضح، لا يهادن؛ نصاً يعرّي العلاقة المعقدة بين المثقف والسلطة.

بنية سردية تقوم على التوثيق

تتكون الرواية من فصول تحمل عناوين لافتة مثل: “النهب المنظم”، “محاولة فاشلة لغسيل المخ”، “الزعيم يأمر بنسف مقام الشيخ”، وهي عناوين تكشف منذ البداية طبيعة النص بوصفه أرشيفاً سردياً للعبث السياسي .

كما أن إدراج مقتطفات من خطب الزعيم داخل الرواية يمنحها بعداً توثيقياً، ويحوّل النص إلى مساحة تداخل بين الواقع والخيال، بين الخطاب الرسمي والخطاب الساخر.

التهميش كجوهر وجودي

في عمق الرواية، لا نجد فقط نقداً للسلطة، بل أيضاً تفكيكاً لحالة التهميش التي يعيشها العامل العربي في الغربة. إن الشخصيات هنا لا تملك مصيرها، بل تُساق داخل منظومة أكبر منها، حيث تتحكم السياسة في تفاصيل الحياة اليومية.

وقد عبّر أحد النقاد عن هذه الفكرة بقول قريب من روح الرواية: “إذا أردت أن ترى مجنوناً، فانظر إلى نفسك في المرآة”، في إشارة إلى أن الجنون ليس في الزعيم وحده، بل في البنية التي تنتجه .

بين الشهادة والإدانة

يمكن اعتبار الرواية جزءاً من السيرة الذاتية للكاتب، لكنها في الوقت نفسه تتجاوز حدود التجربة الفردية لتصبح شهادة جماعية عن زمن عربي مضطرب. إنها كتابة ضد النسيان، وضد التواطؤ، وضد الصمت.

ولعل أكثر ما يمنح النص قوته هو صدقه؛ ذلك الصدق الذي لا يسعى إلى تجميل الواقع، بل إلى كشفه، حتى لو كان ذلك على حساب الجمال الأدبي التقليدي.

خاتمة: الأدب كفعل مقاومة

في النهاية، تبدو الزعيم يحلق شعره عملاً أدبياً يرفض أن يكون محايداً. إنه نص منحاز إلى الإنسان البسيط، ضد السلطة، ضد القمع، وضد النفاق السياسي.

بهذا المعنى، لا يكتب إدريس علي رواية فحسب، بل يمارس شكلاً من أشكال المقاومة الرمزية، حيث تتحول الكلمات إلى أداة فضح، ويصبح السرد سلاحاً في مواجهة الاستبداد.

إنها رواية تُقرأ اليوم لا بوصفها نصاً من الماضي، بل كمرآة ما تزال تعكس وجهاً من وجوه الواقع العربي، حيث لا يزال “الزعيم” يحلق شعره… بينما يحترق العالم من حوله بصمت.



0 التعليقات: