إشبيلية – إسبانيا
احتضن مقر بلدية إشبيلية، يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، مراسم رسمية لتسليم جائزة إميليو كاستيلار لحقوق الإنسان وتقدم الشعوب، التي تمنحها سنوياً مؤسسة التقدميين الإسبان لمؤسسات وشخصيات منخرطة في الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وتقدم الشعوب.
وقد مُنحت هذه الجائزة هذا العام لعدد من المؤسسات والشخصيات، خاصة من إسبانيا وأمريكا اللاتينية. كما تم منحها أيضاً إلى مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلام، اعترافاً بمساره في الدفاع عن حقوق الإنسان، وصون الذاكرة، وتعزيز القيم الديمقراطية.
وقد تسلم الجائزة، نيابة عن رئيس المركز، الصحفي والمؤرخ والمخرج الإسباني رافاييل غيريرو، عضو اللجنة العلمية للمركز، حيث ألقى كلمة بالمناسبة.
اعتراف دولي بمسار منظم
تشكل هذه الجائزة اعترافاً دولياً بالعمل المتراكم الذي قام به المركز عبر السنوات، خاصة في المجالات التالية:
- العدالة الانتقالية
- بناء تعايش إنساني عادل
- تعزيز ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام
كما تعكس هذه الجائزة الإشعاع المتزايد للمركز على الصعيد الدولي، باعتباره فضاءً للحوار النقدي حول قضايا الذاكرة وحقوق الإنسان، ومنصة للتفكير في شروط بناء مستقبل مشترك.
الذاكرة والمصالحة والمسؤولية
في الكلمة التي أُلقيت بهذه المناسبة، أكد رئيس المركز أن هذا التتويج لا يمثل نهاية مسار، بل هو اعتراف بمسار مفتوح يواجه تحديات مستمرة.
وشدد على أن المصالحة لا يمكن اختزالها في إعلان رمزي أو حل ظرفي، بل هي عملية معقدة تتطلب:
- الاعتراف بالحقيقة
- الإنصات للضحايا
- تحمل المسؤوليات
وذلك كضمانات لعدم تكرار الانتهاكات.
أفق هش في عالم مضطرب
يبقى هذا الأفق هشاً في عالم لا تزال فيه أشكال العنف تُنتج وتُعاد إنتاجها بصيغ جديدة، حيث تتداخل النزاعات المسلحة مع ديناميات الإقصاء والتهميش المستمرة.
وفي هذا السياق، فإن بناء مستقبل مشترك يظل رهيناً بقدرة جماعية على كسر هذه الدورات، وإعادة تأسيس قيم العدالة والكرامة على أسس واقعية لا رمزية.
العدالة الانتقالية كأفق دائم
أكد رئيس المركز أن العدالة الانتقالية ليست مرحلة عابرة، بل أفقاً دائماً لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وأوضح قائلاً:
"إن عملنا في مجال العدالة الانتقالية يندرج ضمن هذه الرؤية، ليس كمرحلة مؤقتة، بل كإطار دائم للتفكير في آليات جبر الضرر، والمساءلة، وضمانات عدم التكرار، في ارتباط وثيق ببناء مؤسسات ديمقراطية قائمة على دولة القانون واحترام حقوق الإنسان."
تناقضات العالم المعاصر
سلط الخطاب الضوء على مفارقة أساسية تتمثل في:
- التقدم الملحوظ في الإطار القانوني لحقوق الإنسان
- مقابل استمرار، بل وتفاقم، النزاعات والانتهاكات الجسيمة
وفي هذا السياق، تم التأكيد على أن النساء والأطفال يظلون الضحايا الرئيسيين لهذه النزاعات، مما يعكس أزمة تتجاوز المؤسسات لتطال عمق النسيج الاجتماعي.
الثقافة والسينما والذاكرة كجسور للسلام
أكد المركز، من خلال هذا التتويج، على دور الثقافة والفن والسينما باعتبارها:
- أدوات لبناء المعنى الجماعي
- وسائل للحوار بين الشعوب
- روافع لنشر ثقافة السلام
وفي هذا الإطار، يشكل المهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة بالناظور امتداداً عملياً لهذه الرؤية، حيث أصبح، بعد خمسة عشر عاماً من انطلاقه، فضاءً دولياً للتفكير في دور الذاكرة في بناء مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية.
كما شدد المركز على أن الثقافة والسينما ليستا مجرد وسائل تعبير، بل فضاءات حقيقية للفكر، وأدوات لإنتاج المعنى، وجسور للتواصل بين المجتمعات.
ومن خلال هذا المهرجان، يتم خلق فضاءات للقاء تتقاطع فيها تجارب متنوعة حول سؤال محوري:
كيف يمكن للذاكرة أن تسهم في بناء مستقبل أكثر إنصافاً وإنسانية؟
مسؤولية متزايدة ورسالة أمل
في ختام هذا التتويج، اعتبر المركز أن هذه الجائزة، التي تلقاها في إشبيلية بكل فخر، لا تمثل مجرد اعتراف رمزي، بل تفرض مسؤولية أكبر تتمثل في:
- مواصلة الالتزام
- الحفاظ على نظرة نقدية دائمة
- صون استقلالية العمل في مجال حقوق الإنسان
وذلك في سياق دولي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
كما تحمل هذه الجائزة رسالة أمل مفادها أن الالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان، رغم التحديات والبطء، يظل ممكناً وضرورياً في آن واحد.
إشبيلية، 14 أبريل 2026
عبد السلام بوطيب
رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلام
مدير المهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة بالناظور








0 التعليقات:
إرسال تعليق