لم يَعُدِ المشهدُ الثقافيُّ العربيُّ في الأسبوع الماضي مجرَّدَ رزنامةٍ من المهرجاناتِ والافتتاحاتِ والعروض، بل صارَ مرآةً دقيقةً لِما يعتملُ في الجسد العربي من تحوّلاتٍ أعمق: صراعٌ بين التراث والرقمنة، بين الدولة والسوق، بين الهوية المحلية وشهوة العبور إلى العالمية. فمن المغرب، حيث شهدت وجدة انطلاق الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان الطرب الغرناطي تحت شعار يستدعي الذاكرة والجمال المتجدد، إلى الرباط التي تستعدّ لعودة “جدار” وتحويل الفضاء الحضري إلى متحف مفتوح، مروراً بمراكش التي أعادت في خطابها الثقافي الاعتبار إلى “المتخيَّل” عبر مهرجان الكتاب الإفريقي، ثم وصولاً إلى الخليج حيث تواصل أبوظبي والشارقة والرياض والدوحة تثبيت الثقافة بوصفها قطاعاً استراتيجياً لا مجرد نشاط ترفيهي، بدا واضحاً أن الثقافة العربية تدخل طوراً جديداً من إعادة التموضع الرمزي والمؤسسي.
في المغرب تحديداً، تكشف المعطيات الأخيرة عن حيوية لافتة، لكنها حيوية مزدوجة الوجه. فمن جهة، ثمة حضور متنامٍ للفن المغربي خارج الحدود، كما أظهر افتتاح مهرجان السينما والهجرة في أوتريخت بتركيزه على غنى التجربة السينمائية المغربية، وثمة أيضاً حضور مغربي في النقاشات السينمائية الدولية بعد الإعلان عن أعمال مهرجان كان 2026 وبينها فيلم مغربي. ومن جهة ثانية، يستمر الداخل المغربي في البحث عن صيغ جديدة لتصريف رأسماله الرمزي، سواء عبر مهرجانات الموسيقى التراثية مثل الطرب الغرناطي، أو عبر فنون الشارع في الرباط، أو عبر التمهيد لمواعيد كتابية وفكرية مثل مهرجان الكتاب الإفريقي بمراكش. غير أن القراءة النقدية هنا تفرض علينا الانتباه إلى أن كثافة العرض لا تعني دائماً عمق الأثر؛ فقد صار من السهل تنظيم حدث ثقافي، لكن الأصعب هو بناء سياسة ثقافية تضمن الاستمرارية، وتربط المهرجان بالتربية الفنية، وبالنشر، وبالتكوين، وبالعدالة المجالية في الوصول إلى الثقافة.
وفي المشرق والخليج، يبدو المشهد أكثر مؤسساتية، وأشد ارتباطاً بفكرة “القوة الناعمة”. ففي السعودية، استمر مهرجان الفنون التقليدية بالرياض حتى 8 أبريل، مع تركيز واضح على صون التعبيرات الأدائية المحلية وتقديمها في قالب جماهيري حديث. وفي الإمارات، انطلق موسم ثقافي متشعب: أبوظبي دشّنت الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان أبوظبي بمشاركة أكثر من ألف فنان من 19 بلداً، بينما أعلنت الشارقة عن برنامج يضم 25 مهرجاناً ومنتدى ثقافياً في الأشهر المقبلة، وتواصل دبي موسمها الفني ومعارضها المؤسسية. أما في قطر، فقد أبرزت “سنوات الثقافة 2026” شراكتها مع كندا والمكسيك بعد مرور مئة يوم على انطلاق البرنامج، في صيغة تجعل الثقافة لغةً للدبلوماسية وبناء الجسور. هنا نحن أمام مشهد لا يكتفي بعرض الفنون، بل يضعها داخل هندسة سياسية واقتصادية أوسع، حيث تتحول الثقافة إلى أداة تموقع دولي، وإلى رافعة للسياحة، والتعليم، والاقتصاد الإبداعي.
لكن هذه الحيوية الخليجية، على أهميتها، تطرح سؤالاً لا يجوز القفز عليه: هل نحن أمام نهضة ثقافية فعلية، أم أمام إدارةٍ ذكيةٍ للصورة الثقافية؟ إن المهرجانات الكبرى والمعارض الدولية والمؤشرات القياسية للزوار، كما في أبوظبي حيث أعلنت دائرة الثقافة والسياحة أداءً قياسياً شمل مئات الآلاف من زوار الفعاليات التراثية والثقافية، لا تكفي وحدها للحكم على صحة المشهد الثقافي. فالثقافة لا تُقاس بعدد التذاكر فقط، بل بمدى قدرتها على إنتاج أسئلة جديدة، وإتاحة المجال للنقد، وتوسيع حرية الخيال، وإعادة توزيع الذائقة خارج المراكز الكبرى. إن الخطر الذي يتهدد الثقافة العربية اليوم ليس الفقر في التمويل فقط، بل الوفرة التي قد تتحول إلى استعراض، حيث يصبح الفن واجهةً براقةً لاقتصاد الفعالية، ويخسر شيئاً من وظيفته القلقة بوصفه ضميراً جمالياً للمجتمع.
وفي الضفة الأخرى من العالم العربي، تكشف الأخبار الآتية من سوريا، على تواضعها الظاهر، عن حقيقة ثقافية بالغة الأهمية: الثقافة لا تعيش فقط في الفعاليات الكبرى، بل أيضاً في المراكز الثقافية الصغيرة، وفي ورشات الأطفال، وفي العروض المسرحية المحلية، وفي المهرجانات التي تُعرّف الناشئة بالتراث المادي واللامادي. فالمفكرة الثقافية السورية خلال الأيام الأخيرة أظهرت زخماً من الأنشطة المتنوعة، من العروض المسرحية إلى معارض الفن وورشات الرسم ومهرجانات تعريف الأطفال بتراثهم. هذه التفاصيل قد تبدو هامشية إذا ما قورنت ببريق المهرجانات الدولية، لكنها في العمق أكثر التصاقاً بفكرة الثقافة كنسيج يومي، لا كحدث موسمي فقط. وهنا تكمن مفارقة المشهد العربي: بعض البلدان تملك البنية التحتية الكبرى، وبعضها لا يملك إلا الإصرار الثقافي، غير أن المعنى الحقيقي للثقافة قد يولد أحياناً من هذا الإصرار المتواضع أكثر مما يولد من هندسة الفرجة الكبرى.
أما على المستوى الرمزي الأوسع، فإن الأسبوع الماضي قدّم مؤشرين شديدي الدلالة. الأول هو اختيار الصويرة لاحتضان المؤتمر السنوي لشبكة المدن المبدعة لليونسكو سنة 2026، بما يؤكد أن المدينة المغربية لم تعد مجرد فضاء موسيقياً أو سياحياً، بل تحولت إلى مختبر للتفكير في الاستدامة الثقافية والصناعات الإبداعية. والثاني هو الحضور المتجدد للثقافة العربية في الدوائر العالمية، سواء عبر مهرجانات السينما أو عبر الشراكات العابرة للقارات. هذان المؤشران يدلان على أن الثقافة العربية لم تعد محصورة في موقع المتلقي أو المشارك الثانوي، بل صارت، ولو بشكل غير متكافئ، فاعلاً يفاوض على صورته وموقعه. غير أن هذا التقدم الرمزي يحتاج إلى ما هو أبعد من الاحتفاء: يحتاج إلى سياسات ترجمة، وإلى تحديث التعليم الفني، وإلى حماية الفنانين والكتّاب من هشاشة العيش، وإلى بناء أرشيف رقمي عربي يحفظ الذاكرة ولا يبددها في زحام المناسبات.
إن القراءة النقدية العميقة لهذه التحولات تفضي إلى خلاصة واضحة: الثقافة العربية في 2026 لا تعاني من الغياب، بل من التفاوت. هناك فائض في المناسبات، لكن ليس دائماً في الرؤية. هناك استثمار متزايد في الصورة الثقافية، لكن ليس بالقدر نفسه في البنية التربوية والنقدية التي تمنح هذه الصورة شرعيتها وعمقها. هناك عودة قوية إلى التراث، كما في مهرجانات الفنون التقليدية والطرب الغرناطي وورشات التراث للأطفال، لكن هذه العودة ستظل ناقصة إذا لم تتحول من احتفال بالماضي إلى إعادة تأويل له في ضوء أسئلة الحاضر. وهناك أيضاً صعود متزايد للثقافة بوصفها دبلوماسية ناعمة، لكن هذا الصعود يفقد بعض معناه إذا لم يقترن بحرية الخلق واستقلالية المثقف وتوسيع جمهور القراءة والفنون خارج النخب والمدن المركزية.
لهذا يمكن القول إن المشهد الثقافي العربي خلال الأسبوع الماضي لم يكن مجرد سلسلة أخبار متفرقة من المحيط إلى الخليج، بل كان نصاً عربياً كبيراً يُكتب على أكثر من خشبة وأكثر من جدار وأكثر من شاشة. نصٌّ يقول إن الثقافة ما زالت قادرة على التنفس رغم كل شيء، لكنها تحتاج إلى أن تتحول من “حدث” إلى “بنية”، ومن “واجهة” إلى “وعي”، ومن “موسم” إلى “حقّ”. وعندها فقط لن تكون المهرجانات زينةً عابرة في أجندة المدن، بل علاماتٍ على مجتمع يعرف أن الفن ليس ترفاً، بل طريقةٌ أرقى لفهم نفسه ومقاومة قسوته اليومية.








0 التعليقات:
إرسال تعليق