الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أبريل 13، 2026

مدنٌ تكتبُ نفسها بالألوان وتخفي قلقها خلف الأضواء: إعداد عبده حقي

 


في امتدادٍ جغرافيٍّ يتأرجحُ بين زرقةِ الأطلسي وصمتِ الصحراءِ ولمعانِ العواصمِ الأوروبية، بدا الأسبوعُ الثقافيُّ الأخيرُ وكأنَّهُ نصٌّ عربيٌّ طويلٌ يُكتَبُ بلا مؤلّفٍ واحد. من الرباط إلى مراكش، ومن الصويرة إلى الرياض وأبوظبي وباريس، لم تكن الثقافةُ مجردَ برنامجٍ زمنيٍّ أو أجندةِ عروض، بل كانت حوارًا صامتًا بين الذاكرةِ والحداثة، بين الرغبة في البقاء والرهان على التحوّل.

في الرباط، حيثُ ينهضُ مهرجان “جدار” من قلبِ الإسمنت، تتحوّلُ الجدرانُ إلى دفاترَ مفتوحةٍ للمدينة. ليست الجدارياتُ هنا زينةً حضريةً، بل هي محاولةٌ لإعادة توزيع الصوت البصري خارج المؤسسات. الشارعُ، الذي كان يومًا هامشًا، صار اليوم مركزًا للقول الفني، وصار الرسّامُ شريكًا للمارة لا نخبويًّا معزولًا. غير أن هذا الانفتاح، على جماله، يحملُ في داخله مفارقةً خفيّة: فكلما اقترب الفن من الناس، اقترب أيضًا من خطر الترويض، حيثُ يمكن أن يتحوّل إلى ديكورٍ حضريٍّ فاقدٍ لحدّته النقدية.

وفي مراكش، حيثُ تُنصتُ النخيلُ لخطى الكتّاب، يستعدّ مهرجان الكتاب الإفريقي لطرح سؤالٍ قديمٍ بصيغةٍ جديدة: من يكتبُ إفريقيا؟ هناك، تتقاطعُ اللغاتُ والهوياتُ، ويتحوّلُ الأدب إلى جسرٍ بين ذاكراتٍ متباعدة. لكن خلف هذا الاحتفاء، يظلّ سؤال الترجمة معلّقًا كظلٍّ طويل: كم من نصٍّ إفريقيٍّ ما زال حبيس لغته؟ وكم من صوتٍ يُعاد تشكيله ليناسب ذائقة القارئ العالمي؟

أما الصويرة، حيثُ تختلطُ رائحةُ البحر بإيقاعات كناوة، فتقدّم نموذجًا مختلفًا: هنا لا تُعرض الثقافة، بل تُعاش. الجسدُ الراقص، والوترُ المهتز، والذاكرةُ الإفريقية العميقة، كلها تندمجُ في تجربةٍ لا تُختزل في مهرجان. ومع ذلك، فإن هذا الانفتاح الكوني يضع التراث أمام امتحانٍ صعب: هل يبقى وفياً لروحه، أم يتحوّل إلى عرضٍ سياحيٍّ مكرّر؟

في الرباط من جديد، ولكن هذه المرة عبر منصة “موازين”، يتجلّى وجهٌ آخرُ للثقافة: وجهُ الجماهير. ملايينُ الحضور، أسماءٌ عالمية، أضواءٌ لا تنطفئ. إنه انتصارٌ للفرجة، بلا شك. غير أن هذا الانتصار يطرح سؤالاً مقلقًا: هل تُقاس الثقافةُ بعددِ الحاضرين، أم بقدرتها على إحداثِ أثرٍ داخليٍّ في المتلقي؟ وهل يتحوّل الفن، في لحظةٍ ما، إلى مجردِ صناعةٍ للبهجة السريعة؟

في الجنوب، حيثُ الرملُ ذاكرةٌ تمشي، يواصل مهرجان الرحّل في محاميد الغزلان مقاومته الصامتة للنسيان. هنا، الثقافة ليست عرضًا، بل بقاء. الأغاني القديمة، الحكايات الشفوية، والطقوس البدوية، كلها تحاول أن تصمد أمام زحف الرقمنة. غير أن هذا الصمود يواجه تحديًا قاسيًا: كيف يمكن نقل تراثٍ شفهيٍّ إلى جيلٍ يقرأ العالم عبر الشاشة؟

وعندما ننتقل إلى الخليج، نجد أن الثقافة قد دخلت مرحلةً جديدة من التنظيم والتموقع. في الرياض، يُعاد تقديم الفنون التقليدية ضمن رؤيةٍ حديثة، حيث يتحوّل التراث إلى مشروعٍ وطنيٍّ له أبعاده الاقتصادية والسياسية. وفي أبوظبي، حيثُ تتجاورُ الأوبرا مع الفن المعاصر، تُصاغُ الثقافةُ كقوةٍ ناعمةٍ تُخاطب العالم بلغةٍ عالمية. أما الشارقة، فتمضي في ترسيخ دورها كعاصمةٍ دائمةٍ للكتاب والفكر، بينما تفتح قطر عبر “سنوات الثقافة” نوافذَ جديدةً للحوار مع الآخر.غير أن هذا الصعود المؤسسي، على أهميته، لا يخلو من إشكال: فحين تدخل الثقافة إلى قلب الاستراتيجيات، تصبح مهددة بأن تفقد جزءًا من عفويتها. الفن، الذي وُلد ليكون سؤالاً، قد يتحوّل إلى إجابةٍ جاهزة، أو إلى خطابٍ رسميٍّ مصقولٍ بعناية.

وفي أوروبا، داخل فضاءات مثل معهد العالم العربي في باريس أو مهرجان “Arabesques”، تُعرض الثقافة العربية على مسرحٍ آخر، حيثُ تُقرأ بعيونٍ مختلفة. هنا، تتحوّل الهوية إلى موضوع عرض، ويصبح السؤال: هل نرى أنفسنا كما نحن، أم كما يريد الآخر أن يرانا؟

إنّ ما تكشفه هذه الأجندة الثقافية ليس مجرد تنوّع في الفعاليات، بل تحوّلٌ في معنى الثقافة ذاتها. لقد خرجت من الهامش، وصارت لاعبًا في معادلات الاقتصاد والسياسة والهوية. غير أنّ هذا الخروج يضعها أمام امتحانٍ مزدوج: كيف تظلّ حرةً وهي تدخل إلى المؤسسات؟ وكيف تظلّ صادقةً وهي تُعرض أمام العالم؟

الثقافة العربية اليوم تقفُ على حافةِ هذا السؤال. هي أكثر حضورًا من أي وقتٍ مضى، لكنها أيضًا أكثر عرضةً للتأويل والتوظيف. وبين هذا وذاك، يبقى الأمل معقودًا على الفنان، على الكاتب، على ذلك الصوت الفردي الذي يرفض أن يتحوّل إلى جزءٍ من الضجيج، ويصرّ على أن يكون همسًا مختلفًا في زمنٍ يعلو فيه الصخب.


0 التعليقات: