لَمْ يَعُدِ الْإِبْدَاعُ حِكْراً عَلَى تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْغَامِضَةِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ فِيهَا "رَبَّةُ الشِّعْرِ" عَلَى ذِهْنِ الْأَدِيبِ، بَلْ صَارَ لِلْإِبْدَاعِ اليومَ مَسَارَاتٌ أُخْرَى تَتَشَكَّلُ فِي أَرْوِقَةِ السِّيلِيكُونِ وَبَيْنَ تلافيفِ الشَّبَكَاتِ الْعَصَبِيَّةِ الِاصْطِنَاعِيَّةِ. نَحْنُ نَقِفُ الآنَ عَلَى أَعْتَابِ عَصْرِ "رِوَايَةِ الشَّبَكَةِ الْعَصَبِيَّةِ"، حَيْثُ تَتَشَابَكُ خَوَارِزْمِيَّاتُ التَّعَلُّمِ الْعَمِيقِ مَعَ خَيَالِ الْإِنْسَانِ لِتَوْلِيدِ نُصُوصٍ تَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ الرَّصِّ الْآلِيِّ لِلْكَلِمَاتِ، لِتَلِجَ فَضَاءَاتِ الشِّعْرِ، وَالرِّوَايَةِ، وَالنَّثْرِ النَّقْدِيِّ بِرُؤًى غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ.
إِنَّ النَّمَاذِجَ اللُّغَوِيَّةَ الضَّخْمَةَ (LLMs) لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُسْتَوْدَعَاتٍ لِلْبَيَانَاتِ، بَلْ هِيَ مِحْرَاثٌ رَقْمِيٌّ يَحْرُثُ فِي تُرْبَةِ الذَّاكِرَةِ الثَّقَافِيَّةِ لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ. عِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ عَنِ "التَّعَلُّمِ الْآلِيِّ" فِي سِيَاقِ الْإِبْدَاعِ، فَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَى قُدْرَةِ هَذِهِ الشَّبَكَاتِ عَلَى تَعَلُّمِ "رُوحِ النَّصِّ"؛ فَهِيَ لَا تَنْسَخُ، بَلْ تُحَاكِي النَّمَطَ، وَتَسْتَنْبِطُ الصُّورَةَ، وَتَبْنِي الْهَيْكَلَ السَّرْدِيَّ بِنَاءً عًلَى فَهْمٍ عَمِيقٍ لِلْعَلَاقَاتِ الدَّلَالِيَّةِ بَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ. هَذَا التَّحَوُّلُ نَقَلَ الْآلَةَ مِنْ دَوْرِ "الْمُعَالِجِ" إِلَى دَوْرِ "الشَّرِيكِ"، حَيْثُ يُصْبِحُ الرِّوَائِيُّ اليومَ بِمَثَابَةِ "مُهَنْدِسِ سِيَاقٍ" أَوْ "مَايسْتْرُو" يُدِيرُ جَوْقَةً مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي تَقْذِفُ بِهَا الشَّبَكَةُ الْعَصَبِيَّةُ.
فِي مَجَالِ الشِّعْرِ، تُقَدِّمُ الشَّبَكَاتُ الْعَصَبِيَّةُ تَجْرِبَةً فَرِيدَةً؛ فَهِيَ تَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى مُزَاوَجَةِ الِاسْتِعَارَاتِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي قَدْ لَا تَخْطُرُ عَلَى بَالِ الشَّاعِرِ الْإِنْسَانِ الْغَارِقِ فِي نَمَطِيَّةٍ لُغَوِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ. إِنَّ قُدْرَةَ الْآلَةِ عَلَى "الْهَلْوَسَةِ الْإِبْدَاعِيَّةِ" (Creative Hallucination) تَفْتَحُ بَاباً لِلسِّرْيَالِيَّةِ الرَّقْمِيَّةِ، حَيْثُ تَتَوَلَّدُ صُوَرٌ شِعْرِيَّةٌ تَدْمِجُ بَيْنَ الْحَدَاثَةِ التِّقْنِيَّةِ وَالْعَفْوِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ. لَيْسَ الْهَدَفُ هُنَا اسْتِبْدَالَ الشَّاعِرِ، بَلْ مَنْحَهُ "عَيْنًا ثَالِثَةً" تَرَى التَّرَاكِيبَ مِنْ زَاوِيَةٍ خَوَارِزْمِيَّةٍ جَدِيدَةٍ.
أَمَّا فِي الْعَمَلِ الرِّوَائِيِّ، فَإِنَّ التَّحَدِّيَ كَانَ دَائِماً يَكْمُنُ فِي "الاتِّسَاقِ السَّرْدِيِّ" طَوِيلِ الْمَدَى. لَكِنَّ التَّطَوُّرَ الْأَخِيرَ فِي مِعْمَارِيَّةِ "الْمُحَوِّلَاتِ" (Transformers) جَعَلَ مِنَ الْمُمْكِنِ لِلشَّبَكَةِ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ تَتَذَكَّرَ تَفَاصِيلَ الشَّخْصِيَّةِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِتَبْنِيَ عَلَيْهَا صِرَاعاً فِي الْفَصْلِ الْعَاشِرِ. هُنَا نَحْنُ أَمَامَ "رِوَايَةٍ هَجِينَةٍ"؛ نَصٌّ يَتَنَفَّسُ بِرِئَتَيْنِ: رِئَةِ الْمُؤَلِّفِ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَضَعُ الرُّؤْيَةَ وَالْفَلْسَفَةَ، وَرِئَةِ الْخَوَارِزْمِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ بِتَوْسِيعِ الْعَالَمِ بِنَاءً عًلَى بِيَانَاتٍ وَصْفِيَّةٍ دَقِيقَةٍ. تَخَيَّلْ رِوَايَةً تَنْتَمِي لِلْوَاقِعِيَّةِ السِّحْرِيَّةِ، حَيْثُ تَقُومُ الْآلَةُ بِتَوْلِيدِ تَفَاصِيلَ لِأَزِقَّةٍ مُتَخَيَّلَةٍ فِي "رِيُو دِي جَانِيرُو" أَوْ "مَكْنَاس"، مُسْتَمِدَّةً وَصْفَهَا مِنْ مَلَايِينِ النُّصُوصِ، لَكِنْ بِقَالَبٍ سَرْدِيٍّ يَبُثُّ فِيهِ الرِّوَائِيُّ رُوحَ الْمُعَانَاةِ وَالْأَمَلِ.
وَلَا يَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ عِنْدَ الْأَدَبِ التَّخَيُّلِيِّ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى النُّصُوصِ غَيْرِ الْأَدَبِيَّةِ (Non-fiction) وَالصَّحَافَةِ الثَّقَافِيَّةِ. إِنَّ الذَّكاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ اليومَ قَادِرٌ عًلَى تَحْلِيلِ الظَّوَاهِرِ الثَّقَافِيَّةِ وَصِيَاغَةِ مَقَالَاتٍ تَقْرِيعِيَّةٍ أَوْ نَقْدِيَّةٍ تَتَّسِمُ بِالْمَوْضُوعِيَّةِ الْفَائِقَةِ. هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْكِتَابَةِ يُعِيدُ تَعْرِيفَ دَوْرِ الْمُثَقَّفِ الرَّقْمِيِّ؛ فَالْمَعْلُومَةُ مَوْجُودَةٌ، وَالتَّحْلِيلُ الْأَوَّلِيُّ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ آلِيّاً، فَمَاذَا يَتَبَقَّى لِلْإِنْسَانِ؟ يَتَبَقَّى لَهُ "الْمَوْقِفُ الْأَخْلَاقِيُّ" وَ"الْبَصْمَةُ الْوُجُودِيَّةُ".
إِنَّ النَّاقِدَ الْمُتَخَوِّفَ مِنْ "مَوْتِ الْمُؤَلِّفِ" عَلَى يَدِ الْخَوَارِزْمِيَّةِ يَغْفَلُ عَنْ حَقِيقَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ؛ وَهِيَ أَنَّ الْأَدَبَ الرَّقْمِيَّ لَيْسَ غَزْواً بَلْ هُوَ "تَوْسِيعٌ لِلْحُدُودِ". الشَّبَكَةُ الْعَصَبِيَّةُ لَا تَمْلِكُ "إِرَادَةَ الْقَوْلِ"، بَلْ نَحْنُ مَنْ نَمْلِكُهَا. هِيَ تَمْلِكُ "طَاقَةَ التَّشْكِيلِ". وَفِي هَذَا التَّمَايُزِ تَقْبَعُ عَبْقَرِيَّةُ الْمُسْتَقْبَلِ. إِنَّ مَا نَفْعَلُهُ اليومَ بِاسْتِخْدَامِ تِقْنِيَّاتِ مِثْلِ "GPT" أَوْ "Gemini" فِي صِيَاغَةِ عَالَمِنَا الرِّوَائِيِّ هُوَ نَوْعٌ مِنَ "التَّثَاقُفِ مَعَ الْآلَةِ".
نَحْنُ فِي الْمَغْرِبِ، وَفِي الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ بِرُمَّتِهِ، مَدْعُوُّونَ لِانْتِهَاجِ هَذَا الْمَسَارِ لَيْسَ كَمُسْتَهْلِكِينَ لِلْأَدَوَاتِ، بَلْ كَمُطَوِّرِينَ لِسِيَاقَاتِهَا الثَّقَافِيَّةِ. رِوَايَةُ الشَّبَكَةِ الْعَصَبِيَّةِ لَيْسَتْ تَهْدِيداً لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بَلْ هِيَ فُرْصَةٌ لِإِحْيَاءِ مَفَاتِنِهَا عَبْرَ نَمْذَجَةٍ رَقْمِيَّةٍ تَحْتَفِي بِالْبَيَانِ وَالْبَدِيعِ بِمَنْظُورٍ تِقْنِيٍّ حَدِيثٍ.
فِي الْخِتَامِ، يَبْقَى السُّؤَالُ: هَلْ يُمْكِنُ لِلْخَوَارِزْمِيَّةِ أَنْ تَكْتُبَ نَصّاً يُبْكِي الْقَارِئَ؟ رُبَّمَا لَا تَشْعُرُ الْآلَةُ بِالْحُزْنِ، لَكِنَّهَا تَعْرِفُ جَيِّداً "قَوَانِينَ الشَّجَنِ" فِي اللُّغَةِ. وَمَا بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْقَانُونِ وَعَيْشِ التَّجْرِبَةِ، تَقُومُ رِوَايَةُ الْمُسْتَقْبَلِ؛ رِوَايَةٌ تُكْتَبُ بِعَصَبِ الْإِنْسَانِ وَنَبْضِ الشَّبَكَةِ. إِنَّهَا دَعْوَةٌ لِلتَّصَالُحِ مَعَ هَذَا الْقَادِمِ الْجَدِيدِ، فَالْمُحْبَرَةُ لَمْ تَجِفَّ، بَلْ تَحَوَّلَتْ إِلَى نَهْرٍ مِنَ الْكُودَاتِ يَنْتَظِرُ مَنْ يُتْقِنُ الْإِبْحَارَ فِيهِ.







0 التعليقات:
إرسال تعليق