الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أبريل 07، 2026

المصادفاتِ المتخفية في جيوبِ الغياب: عبده حقي

 


كنتُ أُفتِّش في جيبِ الصباح عن مصادفةٍ صغيرةٍ تُشبهُ حبّةَ قمحٍ سقطتْ من ذاكرةِ الأرض، فوجدتُ العالمَ كلَّه يتدحرجُ في كفّي ككرةٍ من زجاجٍ مُشوَّش. لم أكن أبحث عن شيءٍ بعينه، بل عن ذلك الخيط الخفي الذي يربطُ بين سقوطِ ملعقةٍ على أرض المطبخ واندلاعِ حربٍ في مكانٍ لا أعرف اسمه. كنتُ أُصغي إلى ارتطام الأشياء، إلى همسِ التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد، فأسمع فيها دويّ أحداثٍ عظيمةٍ تتنكرُ في هيئةِ حوادثَ تافهة.

قال لي ظلّي ذات مساءٍ: إن العالم لا يتحركُ بخطواتٍ واضحة، بل بقفزاتٍ سرية، مثل أرنبٍ يعبر الطريق في لحظةٍ خاطفة. ضحكتُ، لكنني رأيتُ الأرنب فعلاً، يقفزُ من بين فكرةٍ إلى أخرى، يتركُ خلفه خيطاً من سوء الطالع، أو ربما من الحظ الذي لم يتعرّف على نفسه بعد.

كنتُ أعيش في مدينةٍ لا تعرفُ أسماء شوارعها، بل تحفظها عبر الحوادث الصغيرة: هنا انكسرت كأس، وهناك ضاع مفتاح، وفي الزاوية البعيدة نام رجلٌ ولم يستيقظ، فاستيقظتْ بدلاً عنه ألفُ حكاية. كنتُ أُدرك أن هذه التفاصيل ليست بريئة، وأنها تكتبُ سيرةً خفيةً للأحداث الكبرى، كما لو أن التاريخ نفسه يتخفّى في هيئة صدفة.

في أحد الأيام، حلمتُ بأنني متُّ. لم يكن الحلم مخيفاً، بل كان أشبه برسالةٍ مكتوبةٍ بحبرٍ غير مرئي. استيقظتُ وأنا أضحك، كأنني تلقيتُ وعداً طويلاً بالحياة. منذ ذلك الحين، صرتُ أُؤمن بأن الأحلام لا تقول ما تقوله، بل ما تعاكسه، وأن اللغة نفسها تخونُ معناها لتكشف عن معنى آخر يختبئ خلفها مثل طفلٍ يضحك في الظل.

كنتُ أُراقب الناس في المقاهي، يقرؤون الطالع في فناجين القهوة، يفسّرون خطوطها كأنها خرائط لمصيرٍ مُعلَّق. امرأةٌ تقول إن الخط المتعرج يعني سفراً، ورجلٌ يؤكد أن البقعة السوداء تعني خيانة. وأنا أرى في كل ذلك لعبةً سرية، لعبةً تُدار من خلف الستار، حيث تتبادل الأشياء أدوارها، فيصبح الموت وعداً بالحياة، والخسارة باباً للنجاة، والضياع طريقاً إلى الاكتشاف.

في المساء، كنتُ أُحصي المصادفات كما يُحصي العاشقُ دقات قلبه. لماذا التقيتُ بهذا الرجل تحديداً؟ ولماذا سقط الكتاب من يدي في الصفحة التي كانت تنتظرني منذ زمن؟ ولماذا تأخرتُ دقيقةً واحدة ففُتحت أمامي نافذةٌ لم أكن لأراها؟ كنتُ أشعر أن العالم ينسج حولي شبكةً من العلاقات غير المرئية، وأن كل حدثٍ صغير هو عقدةٌ في هذا النسيج.

ذات ليلة، سمعتُ خبراً عن موتِ شخصٍ لا أعرفه، فشعرتُ بأن الحياة تمتدُّ في داخلي أكثر. كأن الموت الذي أصابه لم يكن نهايةً له، بل امتداداً لي. لم أفهم هذا الشعور، لكنه كان واضحاً كضوءٍ يمرُّ عبر زجاجٍ مكسور. أدركتُ أن الأشياء لا تحدث كما تبدو، وأن المعاني تتبدل مثل وجوهٍ في حلمٍ لا يستقر.

كنتُ أُسائل نفسي: هل نحن من نُفسِّر العالم، أم أن العالم هو من يكتبنا عبر هذه المصادفات؟ هل الحظُّ مجرد كلمة، أم أنه نظامٌ خفيٌّ يُعيد ترتيب الأحداث كما يشاء؟ كنتُ أشعر أنني قطعةٌ في لعبةٍ أكبر، لعبةٍ لا أعرف قواعدها، لكنها تعرفني جيداً.

في الطريق، رأيتُ رجلاً يتعثر بحجرٍ صغير، فيسقط. ضحك الناس، لكنه نهض وكأن شيئاً لم يكن. بعد أيام، سمعتُ أنه نجا من حادثٍ كبير لأنه تأخر بسبب ذلك التعثر. عندها فهمتُ أن الحجر لم يكن حجراً، بل يدٌ خفية تدفعه بعيداً عن مصيرٍ آخر. وأن السقوط قد يكون في الحقيقة نجاةً، وأن الضحك الذي تبع الحادث كان جهلاً بالمعنى الحقيقي لما حدث.

كنتُ أُدرك أن الحياة ليست سلسلةً من الأسباب والنتائج، بل شبكةً من الانقلابات، حيث يتحول المعنى إلى نقيضه، وتصبح الحقيقة قناعاً لحقيقةٍ أخرى. كل شيءٍ كان يلمع بوجهين، وكل حدثٍ كان يحمل داخله ظله الخاص، مثل كلمةٍ تُخفي معناها الحقيقي في صمتها.

في تلك اللحظة، شعرتُ أنني لستُ سوى قارئٍ في كتابٍ لا ينتهي، كتابٍ تكتبُه المصادفات، وتُحرّره الأوهام، وتُطبعه الحياة بحبرٍ من المفاجآت. لم أعد أبحث عن تفسير، بل عن انغماسٍ في هذه اللعبة، عن مشاركةٍ في هذا السر الذي يتخفّى في التفاصيل الصغيرة.

صرتُ أحتفل بكل حادثٍ تافه، بكل خطأٍ بسيط، بكل حلمٍ غريب، لأنها جميعاً إشاراتٌ إلى شيءٍ أكبر، إلى نظامٍ لا يُفهم إلا عبر انكساراته. لم أعد أخاف من سوء الطالع، لأنه قد يكون وجهاً آخر للحظ، ولم أعد أفرح بالحظ، لأنه قد يكون فخاً يتنكر في هيئة نعمة.

وهكذا، عشتُ في عالمٍ تتبادل فيه الأشياء معانيها، وتتنكر فيه الحقائق، وتلعب فيه المصادفات دور البطولة. عالمٌ يشبه لعبةً لا تنتهي، لعبةً تُدار بالمفاجأة والخداع، لكنها، في عمقها، تكشف عن جمالٍ خفي، عن انسجامٍ لا يُرى إلا لمن يتخلى عن الرغبة في الفهم.

وفي نهاية كل يوم، كنتُ أعود إلى نفسي، كمن يعود إلى نقطة البداية، لأكتشف أن البداية نفسها ليست سوى مصادفة، وأنني، في هذه اللعبة، لستُ سوى فكرةٍ عابرةٍ في ذهن الكون.


0 التعليقات: