لم يكن الإفراج عن الكاتب الفرنكوجزائري بوعلام صنصال في نونبر 2025 نهاية حكاية، بل بدا وكأنه بداية فصل أكثر تعقيدًا في مسار مثقف لطالما أثار الجدل داخل وخارج الجزائر. فبعد موجة التعاطف التي رافقت خروجه من السجن، سرعان ما تحوّل ذلك التعاطف إلى حالة من القلق المتصاعد، بل إلى ما يشبه “الارتباك الأخلاقي” لدى جزء من متابعيه، بسبب مواقفه الأخيرة وخياراته الفكرية التي اعتبرها البعض انزياحًا نحو خطاب أقرب إلى اليمين المتشدد.
إن قراءة هذا التحول لا يمكن أن تتم خارج سياق العلاقة الملتبسة بين السلطة والمثقف في الفضاء المغاربي، حيث يظل الكاتب في كثير من الأحيان محاصرًا بين سلطتين: سلطة الدولة وسلطة الجمهور. فالدولة قد تعاقبه بالسجن أو التهميش، بينما قد يعاقبه الجمهور بالتخوين أو الإقصاء الرمزي. وبين هذين الحدّين، يتشكل مسار هشّ للمثقف، يضطر فيه إلى اتخاذ مواقف قد تبدو متناقضة أو صادمة.
لقد كان اعتقال صنصال في الجزائر، بتهمة مرتبطة بحرية التعبير، لحظة كاشفة عن حدود التسامح السياسي تجاه الأصوات النقدية. غير أن الإفراج عنه لم يُعد الأمور إلى نصابها، بل فتح الباب أمام أسئلة أكثر حدة: هل خرج الكاتب من السجن بذات القناعات؟ أم أن تجربة الاعتقال أعادت تشكيل نظرته للعالم؟ وهل يمكن للمثقف أن يحافظ على تماسكه الفكري بعد تجربة قمعية طويلة؟
تُظهر المؤشرات أن صنصال لم يخرج فقط من السجن، بل خرج أيضًا من موقعه الرمزي السابق. فقد قرر مغادرة ناشره التاريخي، وهو قرار لا يخلو من دلالات ثقافية وسياسية، إذ يعكس رغبة في إعادة تموقع داخل الحقل الأدبي والإعلامي. غير أن هذا التموقع الجديد لم يمر دون ثمن، حيث بدأ بعض داعميه السابقين في التعبير عن قلقهم من خطاباته الأخيرة، التي اعتُبرت من قبلهم انحرافًا عن خطه النقدي السابق.
هذا التحول يطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الالتزام لدى المثقف. فهل الالتزام يعني الثبات على نفس المواقف مهما تغيرت الظروف؟ أم أن التحولات الشخصية والتجارب القاسية تبرر إعادة النظر في القناعات؟ هنا يتقاطع السياسي مع النفسي، ويتداخل الذاتي مع الموضوعي، ليجعل من تجربة صنصال نموذجًا معقدًا لفهم هشاشة الموقع الثقافي في زمن الاستقطاب.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل السياق الأوروبي الذي يتحرك فيه صنصال، حيث تتنامى تيارات اليمين الشعبوي، وتُعاد صياغة النقاشات حول الهوية والهجرة والإسلام. في هذا المناخ، قد يجد بعض المثقفين أنفسهم منجذبين، عن وعي أو عن غير وعي، إلى خطاب يتقاطع مع هذه التيارات، خاصة إذا كانوا يحملون نقدًا جذريًا لمجتمعاتهم الأصلية. غير أن هذا التقاطع قد يُفسَّر، في المقابل، كنوع من “الانحياز” أو حتى “التواطؤ”، وهو ما يفسر حالة التوجس التي تحيط اليوم بصورة صنصال.
إن ما يحدث مع هذا الكاتب لا يخصه وحده، بل يعكس أزمة أوسع يعيشها المثقف العربي في علاقته بالسلطة وبالحداثة وبالآخر. فالمثقف لم يعد ذلك الصوت النقي الذي يُجمع عليه الجميع، بل أصبح فاعلًا مثيرًا للجدل، تُقرأ مواقفه من زوايا متعددة، وتُحمَّل دلالات تتجاوز أحيانًا نواياه الأصلية.
في هذا السياق، يبدو أن “الارتباك” الذي يحيط بصنصال ليس مجرد حالة عابرة، بل هو تعبير عن لحظة تاريخية تتسم بانهيار اليقينيات، وتداخل المرجعيات، وتزايد الضغوط على الفاعلين الثقافيين. فالمثقف اليوم مطالب بأن يكون ناقدًا ومقاومًا، لكنه أيضًا معرض لأن يُساء فهمه أو أن يُوظَّف في صراعات لا يتحكم في مساراتها.
ولعل السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الحالة هو: هل يمكن للمثقف أن ينجو من لعبة الاستقطاب دون أن يفقد جزءًا من نفسه؟ أم أن كل تموقع جديد هو بالضرورة خسارة لموقع سابق؟ في حالة صنصال، يبدو أن الإجابة لا تزال مفتوحة، وأن مساره سيظل موضوع نقاش حاد، بين من يرى فيه ضحية لتحولات قاسية، ومن يعتبره فاعلًا اختار طريقًا مثيرًا للريبة.
هكذا، يتحول الكاتب من رمز للحرية إلى موضوع للجدل، ومن صوت نقدي إلى حالة إشكالية، تعكس بوضوح تعقيدات المرحلة الراهنة. وفي هذا التحول، تكمن مأساة المثقف المعاصر: أن يكون دائمًا في قلب العاصفة، دون أن يمتلك دائمًا القدرة على توجيه مسارها.







0 التعليقات:
إرسال تعليق