الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أبريل 07، 2026

تقاطع المصالح بين الرباط والقاهرة يفتح أفق زيارة مرتقبة للسيسي: عبده حقي

 


تشهد العلاقات بين المغرب ومصر في الآونة الأخيرة دينامية جديدة تتجاوز التوترات التجارية الظرفية نحو إعادة صياغة شراكة سياسية واقتصادية أكثر توازناً. وفي هذا السياق، يبرز الحديث المتزايد في الأوساط الدبلوماسية عن إمكانية قيام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة رسمية إلى الرباط، كترجمة عملية لمسار تقارب تدريجي بدأ يتبلور منذ أشهر بين القيادتين في البلدين.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد فترة من الفتور النسبي الذي طبع العلاقات الثنائية، خاصة على خلفية الخلافات التجارية التي برزت بين الجانبين خلال السنوات الماضية. فقد شهدت المبادلات التجارية بعض الاختلالات، وتخللتها توترات صامتة مرتبطة بقيود غير معلنة على بعض الصادرات، وهو ما انعكس سلباً على مناخ الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين. غير أن زيارة رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش إلى القاهرة شكلت نقطة انعطاف لافتة، إذ حملت في طياتها رسائل سياسية تتجاوز البعد الاقتصادي نحو إعادة ترميم العلاقات على أسس أكثر استراتيجية.

إن القراءة المتأنية لهذا التقارب تكشف عن وعي متزايد لدى الطرفين بأهمية بناء محور تعاون شمال إفريقي–مشرقي قادر على مواجهة التحولات الإقليمية المتسارعة. فالعالم العربي يعيش اليوم على وقع إعادة تشكيل موازين القوى، سواء بفعل التغيرات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أو نتيجة التنافس الدولي المتزايد على النفوذ في إفريقيا. وفي هذا السياق، يدرك كل من المغرب ومصر أن تنسيق مواقفهما يمكن أن يمنحهما وزناً إضافياً في معادلات إقليمية معقدة.

على المستوى السياسي، يبدو أن الرباط والقاهرة تسعيان إلى تعزيز التشاور حول عدد من الملفات الحساسة، من بينها قضايا الأمن الإقليمي، والهجرة، ومكافحة الإرهاب. كما أن هناك تقاطعاً واضحاً في الرؤى بخصوص ضرورة الحفاظ على استقرار الدول الوطنية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وهو ما يشكل أرضية مشتركة لتقارب سياسي متين.

أما على الصعيد الاقتصادي، فإن إعادة تنشيط العلاقات بين البلدين تمثل فرصة واعدة لتعزيز المبادلات التجارية والاستثمارات المشتركة. فالمغرب، الذي راكم خبرة مهمة في مجالات الصناعة والبنيات التحتية والطاقة المتجددة، يمكن أن يشكل شريكاً استراتيجياً لمصر التي تسعى بدورها إلى تعزيز قدراتها الصناعية وتوسيع أسواقها. وفي المقابل، توفر السوق المصرية، بحجمها الكبير وموقعها الجغرافي، منفذاً مهماً للمنتجات المغربية نحو منطقة الشرق الأوسط.

غير أن هذا التقارب لا يخلو من تحديات. فإعادة بناء الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين تتطلب معالجة جذرية للإشكالات السابقة، وضمان شفافية أكبر في المبادلات التجارية. كما أن نجاح أي شراكة استراتيجية يظل رهيناً بقدرة الطرفين على تجاوز الحسابات الظرفية والانخراط في رؤية طويلة الأمد تقوم على المصالح المشتركة.

في هذا الإطار، تكتسي الزيارة المحتملة للرئيس السيسي إلى المغرب أهمية رمزية وسياسية كبيرة. فهي، إن تمت، ستشكل تتويجاً لمسار التقارب الجاري، وستبعث برسالة قوية مفادها أن العلاقات المغربية المصرية دخلت مرحلة جديدة قوامها التعاون والتنسيق بدل التوجس والحذر. كما أنها ستفتح الباب أمام توقيع اتفاقيات جديدة قد تشمل مجالات متعددة، من التجارة والاستثمار إلى الثقافة والتعليم.

ولا يمكن فصل هذا التقارب عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تسعى العديد من الدول العربية إلى إعادة ترتيب علاقاتها الثنائية في ظل التحولات الدولية الراهنة. فالتقارب المغربي المصري قد يشكل نموذجاً لإمكانية تجاوز الخلافات الظرفية وبناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، بعيداً عن الاصطفافات التقليدية.

من جهة أخرى، يعكس هذا المسار أيضاً براغماتية سياسية متزايدة لدى القيادتين، حيث يتم التركيز على ما يجمع بدل ما يفرق. فالعلاقات الدولية لم تعد تُبنى فقط على الاعتبارات الإيديولوجية، بل أصبحت تقوم أساساً على منطق المصالح والتوازنات، وهو ما يبدو جلياً في التحركات الأخيرة لكل من الرباط والقاهرة.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في عقد الزيارات الرسمية أو توقيع الاتفاقيات، بل في القدرة على تحويل هذا التقارب إلى شراكة فعلية تنعكس إيجاباً على الاقتصادين وعلى موقع البلدين في الساحة الإقليمية. فنجاح هذا المشروع سيعزز من حضور المغرب في الشرق الأوسط، ومن دور مصر في شمال إفريقيا، بما يفتح آفاقاً جديدة للتكامل العربي.

في المحصلة، يمكن القول إن العلاقات المغربية المصرية تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تظل رهينة التوترات السابقة، أو أن تنجح في التحول إلى نموذج للتعاون العربي المعاصر. والزيارة المحتملة للرئيس السيسي إلى المغرب قد تكون اللحظة الفارقة التي ستحدد ملامح هذا المستقبل، في زمن لم يعد يسمح بإهدار الفرص أو الاستمرار في الخلافات العقيمة.


0 التعليقات: