وُلِدَ الرُّوائِيُّ وَالفَيْلَسُوفُ الفِرَنْسِيُّ ألبير كامو فِي 7 نُوفَمْبِرَ 1913 بِمَنْطِقَةِ مَنْدُوفِي بِالْجَزَائِرِ، فِي بِيئَةٍ فَقِيرَةٍ طَبَعَتْ وُعْيَهُ المُبَكِّرَ بِقَسْوَةِ الحَيَاةِ وَهَشَاشَتِهَا. فَقَدَ أَبَاهُ فِي الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الأُولَى، فَنَشَأَ تَحْتَ رِعَايَةِ أُمٍّ صَامِتَةٍ تَكْتَنِفُهَا الأُمِّيَّةُ، لَكِنَّهُ وَجَدَ فِي التَّعْلِيمِ مَنْفَذًا لِلصُّعُودِ الرُّوحِيِّ وَالفِكْرِيِّ، فَالْتَحَقَ بِجَامِعَةِ الجَزَائِرِ حَيْثُ دَرَسَ الفَلْسَفَةَ.
يُعَدُّ كَامُو مِنْ أَبْرَزِ أَصْوَاتِ الأَدَبِ الفِرَنْسِيِّ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ، وَقَدِ ارْتَبَطَ اسْمُهُ بِفَلْسَفَةِ العَبَثِ، وَهِيَ رُؤْيَةٌ تُجَابِهُ غِيَابَ المَعْنَى فِي العَالَمِ بِوَعْيٍ مُتَمَرِّدٍ وَإِصْرَارٍ عَلَى الحُرِّيَّةِ. فِي رِوَايَتِهِ الشَّهِيرَةِ الغريب (1942)، يَرْسُمُ شَخْصِيَّةَ "مُورْسُو" الَّتِي تُجَسِّدُ اغْتِرَابَ الإِنْسَانِ وَبُرُودَهُ فِي مُوَاجَهَةِ العَالَمِ. أَمَّا فِي الطاعون (1947)، فَيَتَحَوَّلُ الوَبَاءُ إِلَى رَمْزٍ لِلشَّرِّ الجَمَاعِيِّ وَمُقَاوَمَةِ الإِنْسَانِ لِقُوَى القَهْرِ.
وَلَمْ يَكُنْ إِبْدَاعُهُ الرِّوَائِيُّ
مَنْفَصِلًا عَنْ تَأَمُّلِهِ الفَلْسَفِيِّ، فَقَدْ قَدَّمَ فِي كِتَابِ أسطورة سيزيف
(1942) تَصَوُّرَهُ لِلعَبَثِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ الإِنْسَانَ، رَغْمَ عَبَثِيَّةِ الوُجُودِ،
يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُقَ مَعْنًى مِنْ خِلَالِ التَّمَرُّدِ وَالوَعْيِ.
نَالَ ألبير كامو جَائِزَةَ جائزة
نوبل في الأدب سَنَةَ 1957، وَهُوَ فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ نِسْبِيًّا، تَقْدِيرًا لِإِنْتَاجِهِ
الَّذِي "يُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى مَشَاكِلِ الضَّمِيرِ الإِنْسَانِيِّ فِي
عَصْرِنَا". وَقَدْ ظَلَّ، حَتَّى وَفَاتِهِ المُفَاجِئَةِ فِي 4 يَنَايِرَ
1960 فِي حَادِثِ سَيَّارَةٍ، صَوْتًا مُقْلِقًا لِلسُّلُطَاتِ وَمُدَافِعًا عَنِ الإِنْسَانِ
فِي مُوَاجَهَةِ العُنْفِ وَالإِيدِيُولُوجِيَّاتِ المُغْلَقَةِ.
إِنَّ قِرَاءَةَ كَامُو، فِي مَنْظُورِ
الكِتَابَةِ العَرَبِيَّةِ الحَدِيثَةِ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ اطِّلَاعٍ عَلَى نَصٍّ
أُورُوبِّيٍّ، بَلْ هِيَ مُوَاجَهَةٌ لِسُؤَالِ المَعْنَى فِي عَالَمٍ يَتَآكَلُ مِنَ
الدَّاخِلِ؛ عَالَمٍ يَتَشَابَهُ، عَلَى نَحْوٍ مُفَارِقٍ، مَعَ مَآزِقِنَا المُعَاصِرَةِ
فِي الفِكْرِ وَالسِّيَاسَةِ وَالوُجُودِ.
فِي عَالَمٍ يَتَصَدَّعُ عَلَى إِيقَاعِ الأَزَمَاتِ،
تَظَلُّ رِوَايَةُ الطاعون لِلأَدِيبِ الفِرَنْسِيِّ ألبير كامو نَصًّا مُقَاوِمًا
لِلنِّسْيَانِ، وَشَاهِدًا عَلَى مِحْنَةِ الإِنْسَانِ فِي مُوَاجَهَةِ قُوَى غَامِضَةٍ
تَتَجَاوَزُ فَهْمَهُ. صَدَرَتِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ 1947، فِي أُفُقٍ تَارِيخِيٍّ
مُثْقَلٍ بِظِلَالِ الحرب العالمية الثانية، حَيْثُ تَحَوَّلَ الوَبَاءُ مِنْ حَادِثٍ
طِبِّيٍّ إِلَى مَجَازٍ كَثِيفٍ لِفِكْرَةِ الشَّرِّ المُنْتَشِرِ فِي العَالَمِ.
تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ فِي مَدِينَةِ
وَهْرَانَ الجَزَائِرِيَّةِ، حَيْثُ يَفْتَتِحُ السَّرْدُ بِمَشْهَدِ جُثَثِ الجِرْذَانِ
المُنْتَشِرَةِ فِي الشَّوَارِعِ، فَتَكُونُ بَشِيرَةً بِوُقُوعِ الكَارِثَةِ. يَتَسَلَّلُ
الوَبَاءُ تَدْرِيجِيًّا، ثُمَّ يَفْرِضُ حِصَارَهُ عَلَى المَدِينَةِ، فَتُغْلَقُ
الأَبْوَابُ وَتُعْزَلُ الأَرْوَاحُ، لِتَدْخُلَ الشَّخْصِيَّاتُ فِي اخْتِبَارٍ أَخْلَاقِيٍّ
حَادٍّ. يَبْرُزُ الطَّبِيبُ "رِيُو" كَصَوْتٍ لِلإِنْسَانِ المُقَاوِمِ،
فِي حِينِ يُجَسِّدُ "تَارُو" بُعْدًا تَأَمُّلِيًّا فِي فَهْمِ الشَّرِّ
وَمُقَاوَمَتِهِ.
إِنَّ قِرَاءَةَ الطاعون لَا تَسْتَقِرُّ عِنْدَ
مُسْتَوَى الحِكَايَةِ، بَلْ تَتَجَاوَزُهُ إِلَى بِنْيَةٍ رَمْزِيَّةٍ عَمِيقَةٍ؛
فَالوَبَاءُ، فِي تَأْوِيلٍ نَقْدِيٍّ وَاسِعٍ، يُحِيلُ إِلَى الفَاشِيَّةِ وَالِاسْتِبْدَادِ،
كَمَا يُحِيلُ إِلَى كُلِّ شَرٍّ جَمَاعِيٍّ يُهَدِّدُ الإِنْسَانِيَّةَ. وَفِي هَذَا
السِّيَاقِ، تَتَقَاطَعُ الرِّوَايَةُ مَعَ فِكْرِ ألبير كامو فِي أسطورة سيزيف، حَيْثُ
يُطْرَحُ العَبَثُ لَيْسَ كَنِهَايَةٍ، بَلْ كَبِدَايَةٍ لِلتَّمَرُّدِ وَصُنْعِ المَعْنَى.
وَبِأُسْلُوبٍ سَرْدِيٍّ يَجْمَعُ بَيْنَ البَسَاطَةِ
الظَّاهِرَةِ وَالعُمْقِ الفَلْسَفِيِّ، يَنْجَحُ كَامُو فِي تَفْكِيكِ الوَهْمِ الإِنْسَانِيِّ
بِالسَّيْطَرَةِ عَلَى المَصِيرِ. فَالشَّخْصِيَّاتُ لَا تَنْتَصِرُ عَلَى الوَبَاءِ
بِمَعْنًى حَاسِمٍ، بَلْ تُقَاوِمُهُ فَقَطْ، وَفِي هَذِهِ المُقَاوَمَةِ ذَاتِهَا
يَكْمُنُ مَعْنَى الوُجُودِ. إِنَّهَا أَخْلَاقُ الفِعْلِ فِي وَجْهِ العَبَثِ، لَا
أَخْلَاقُ النَّتِيجَةِ.
وَمَا يُثِيرُ الاِنْتِبَاهَ، فِي سِيَاقٍ مُعَاصِرٍ،
أَنَّ الرِّوَايَةَ تَكْتَسِبُ دَلَالَةً جَدِيدَةً بَعْدَ تَجْرِبَةِ كوفيد-19، حَيْثُ
عَادَ القُرَّاءُ إِلَيْهَا لِيَجِدُوا فِيهَا صَدًى لِتَجَارِبِ العُزْلَةِ وَالخَوْفِ
وَالتَّضَامُنِ. وَهَكَذَا تُثْبِتُ الرِّوَايَةُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نَصٍّ
تَارِيخِيٍّ، بَلْ بِنْيَةٌ مَفْتُوحَةٌ عَلَى كُلِّ زَمَنٍ.
إِنَّ الطاعون، فِي مِيزَانِ القِرَاءَةِ النَّقْدِيَّةِ،
تُقَدِّمُ دَرْسًا فِي "التَّضَامُنِ الإِنْسَانِيِّ" كَقِيمَةٍ مُضَادَّةٍ
لِلفَنَاءِ، وَفِي "الوَعْيِ" كَسِلَاحٍ أَخْلَاقِيٍّ. إِنَّهَا رِوَايَةٌ
تُعَلِّمُنَا أَنَّ الإِنْسَانَ، حَتَّى وَهُوَ مُحَاصَرٌ بِاللاَّمَعْنَى، قَادِرٌ
عَلَى أَنْ يَخْتَارَ مَوْقِفَهُ: أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا صَامِتًا، أَوْ فَاعِلًا مُقَاوِمًا.
فِي النِّهَايَةِ، لَا تَتَحَدَّثُ رِوَايَةُ
الطاعون عَنِ الوَبَاءِ فَقَطْ، بَلْ عَنِ الإِنْسَانِ فِي أَقْصَى حَالَاتِهِ: خَوْفًا،
وَأَمَلًا، وَتَمَرُّدًا. وَهُنَا تَكْمُنُ عَظَمَتُهَا: فِي قُدْرَتِهَا عَلَى أَنْ
تَجْعَلَ مِنَ الأَلَمِ مَعْرِفَةً، وَمِنَ العَبَثِ مَسَارًا نَحْوَ الحُرِّيَّةِ.







.jpeg)
0 التعليقات:
إرسال تعليق