الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أبريل 08، 2026

خارطة الحقوق المنتهكة في موازين القوى العالمية: إعداد عبده حقي

 


يبدو ملفّ حقوق الإنسان في الفضاء الممتد من المغرب العربي إلى مصر والشرق الأوسط ثم الاتحاد الأوروبي كأنه خريطة متوترة تتقاطع فيها أنماطٌ متشابهة: تضييق على الفضاء المدني، إضعاف لاستقلال القضاء، توسيع للأدوات الاستثنائية باسم الأمن أو الهجرة أو الحرب، ثم عودة قوية للمنظمات الحقوقية الدولية لتذكير الحكومات بأن الاستقرار لا يُقاس فقط بغياب الضجيج في الشارع، بل أيضًا بمدى احترام الكرامة الفردية وسيادة القانون. واللافت أن الأخبار الجديدة خلال الأيام الأخيرة لم تأتِ فقط من بيانات الإدانة التقليدية، بل من ملفات محددة وحالات بشرية ملموسة تكشف أن انتهاك الحق ليس مفهومًا نظريًا، بل واقعًا يوميًا يطال أشخاصًا بأسمائهم وحيواتهم.

في الجزائر، برز خلال 7 أبريل 2026 نداءٌ حقوقي موجّه إلى البابا ليو الرابع عشر قبل زيارته المرتقبة، دعت فيه منظمات حقوقية إلى إثارة الملفات الأكثر حساسية مع السلطات الجزائرية، وفي مقدمتها القيود على حرية الدين والمعتقد، والتضييق على النشطاء، واستخدام منع السفر كأداة قمع غير معلنة. هذا التطور مهمّ لأنّه أعاد ملف الجزائر الحقوقي إلى دائرة الضوء الدولية بعد فترة طغت فيها الاعتبارات الدبلوماسية والأمنية على النقاش الحقوقي. كما يعكس أن المنظمات لم تعد تكتفي بوصف الانتهاكات، بل صارت تحاول إدخالها إلى صلب المناسبات السياسية والرمزية الكبرى حتى لا تبقى قضايا داخلية معزولة.

أمّا تونس، فقد حملت بداية أبريل مؤشّرًا جديدًا على استمرار أزمة العدالة والحقوق، بعد دعوة خبير أممي في 2 أبريل 2026 إلى وقف تجريم القاضي أنس الحمّادي. هذا المستجد لا يبدو تفصيلاً هامشيًا، لأن استهداف القضاة أو الضغط عليهم يعني عمليًا إصابة قلب الضمانات المؤسسية التي تحمي المواطنين من تعسف السلطة. وتأتي هذه الدعوة الأممية في سياق أوسع وثّقته منظمات كبرى، حيث تتواصل محاكمات ذات طابع سياسي، ويستمر توظيف قوانين فضفاضة لملاحقة معارضين ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان، بما يجعل تونس، التي قُدمت سابقًا كنموذج انتقالي، تعيش اليوم انكماشًا حادًا في الحريات العامة.

وفي مصر، ورغم غياب خبر واحد صاخب خلال الأيام السبعة الأخيرة يضاهي ما جرى في الجزائر أو تونس، فإن الصورة الحقوقية لم تشهد انفراجًا حقيقيًا. التقارير الصادرة خلال 2026 ما زالت تؤكد أن القبضة الأمنية مستمرة، وأن الفضاء المدني يضيق، وأن الاعتقال المطوّل والمحاكمات الجائرة وملاحقة الأصوات السلمية ما زالت سمات بنيوية لا حالات استثنائية. ولهذا فإن قراءة الأسبوع الماضي في الحالة المصرية لا يمكن فصلها عن هذا النسق المستمر: ليس لأن الانتهاك اختفى من العناوين اليومية، بل لأنّه صار في كثير من الأحيان جزءًا من البنية العادية للحكم، وهو أخطر أشكال الاعتياد على القمع.

وفي الشرق الأوسط الأوسع، تكدّست خلال الأسبوع الماضي تطورات أكثر قتامة. فقد شددت هيومن رايتس ووتش في 26 مارس 2026 على أن الأطراف المتحاربة في النزاع المتسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، مع امتداداته إلى لبنان، ارتكبت انتهاكات خطيرة لقوانين الحرب قد ترقى إلى جرائم حرب. وبعدها بأيام، تصاعد الجدل حول القانون الإسرائيلي الجديد الذي يثير مخاوف من تنفيذ الإعدام شنقًا بحق فلسطينيين أمام محاكم عسكرية تُوجَّه إليها انتقادات حادّة بسبب غياب ضمانات المحاكمة العادلة. ثم جاء في 7 أبريل تقرير آخر عن السودان يتحدث عن احتجاز تعسفي وتعذيب وسوء معاملة على يد قوات مرتبطة بالجيش، ما يؤكد أن المنطقة لا تعاني فقط من تراجع الحريات السياسية، بل من انفجارات عنف تمسّ الحق في الحياة والسلامة الجسدية مباشرة.

أمّا في الاتحاد الأوروبي، فقد بدا الأسبوع الماضي كاشفًا لمفارقة لافتة: الاتحاد الذي يرفع راية الحقوق خارجيًا يواجه في داخله وخلال جواره المباشر أسئلة صعبة حول صدقيته الحقوقية. ففي 30 مارس 2026 مدّد مجلس الاتحاد الأوروبي نظام العقوبات المرتبط بانتهاكات حقوق الإنسان في إيران حتى أبريل 2027، في إشارة إلى استمرار اعتماد المقاربة الزجرية تجاه الانتهاكات الجسيمة. لكن في المقابل، حذّرت منظمة العفو الدولية في 2 أبريل من أن مقترحات “تبسيط” القوانين الرقمية الأوروبية قد تُضعف حماية الخصوصية والحقوق الرقمية لصالح تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي. وإلى جانب ذلك، يظل ملف المجر مثالًا صارخًا على أزمة سيادة القانون داخل أوروبا، حيث تتزايد المخاوف من تآكل استقلال القضاء وتقييد الإعلام والمجتمع المدني. بهذا المعنى، لا تبدو أوروبا فضاءً محصنًا بالكامل، بل ساحة صراع بين خطاب حقوقي مؤسِّس وضغوط قومية وأمنية واقتصادية متصاعدة.

وإذا أردنا تعزيز هذه الحصيلة بأمثلة حقيقية عن انتهاكات حقوق الإنسان في هذه المناطق، فإن الحالة الجزائرية تقدّم مثال الناشط سليمان بوحفص، الذي أشارت المنظمات الحقوقية إلى منعه تعسفًا من السفر في 6 مارس 2026 من دون تبرير فعّال أو سبيل واضح للطعن. في تونس، تشكّل قضية الناشطة المناهضة للعنصرية والمدافعة عن حقوق المهاجرين سعدية مصباح، التي حُكم عليها في 19 مارس بالسجن ثماني سنوات، مثالًا بارزًا على الضغط المتزايد على المجتمع المدني. وفي الملف نفسه، تبرز قضية القاضية والناشطة الحقوقية سلوى غريسة، التي قالت منظمة العفو الدولية إنها تواجه اتهامات ملفقة في سياق أوسع من تجريم الأصوات المستقلة.

وفي مصر، ما تزال قضية الناشط محمد عادل من أكثر الأمثلة دلالة، بعد أن وثّقت منظمة العفو تعرضه لاعتداء داخل السجن ودخوله في إضراب عن الطعام احتجاجًا على احتجازه التعسفي. كما أثارت المنظمة نفسها قضية أحمد دومة، الذي اعتُقل في يناير 2026 من منزله من دون مذكرة، في ما بدا انتقامًا من تضامنه العلني مع محمد عادل ومطالبته بالمحاسبة. وإلى جانب الأسماء الفردية، تظل قضية علاء عبد الفتاح رمزًا ممتدًا لما تعتبره منظمات حقوقية احتجازًا جائرًا طويل الأمد حتى بعد انتهاء المدة التي كان يفترض أن يُفرج عنه بعدها.

وفي الشرق الأوسط، تبدو الأمثلة أكثر إيلامًا واتساعًا: الفلسطينيون المحتجزون الذين يخشون الإعدام بموجب القانون الإسرائيلي الجديد؛ المدنيون السودانيون الذين تحدّثت عنهم هيومن رايتس ووتش بوصفهم ضحايا احتجاز تعسفي وتعذيب؛ والأطفال في إيران الذين قالت منظمة العفو إن تجنيدهم في سياق النزاع قد يرقى إلى جريمة حرب. وفي الاتحاد الأوروبي، تتجسد الانتهاكات أو المخاطر الحقوقية في أشكال مختلفة: من تقويض حق اللجوء عبر قواعد “الدول الآمنة”، إلى التراجع المحتمل في حماية الخصوصية والحقوق الرقمية، وصولًا إلى أزمة المجر التي تُظهر أن تفكيك الضمانات الديمقراطية قد يجري من داخل المؤسسات نفسها لا من خارجها.

الخلاصة أن الأسبوع الماضي لم يحمل بشائر انفراج بقدر ما حمل إنذارات متتابعة. ففي الجزائر وتونس يتواصل الضغط على الحريات والناشطين؛ وفي مصر يظل الانسداد قائمًا؛ وفي الشرق الأوسط تتقاطع الحرب مع الانتهاك المنهجي؛ وفي الاتحاد الأوروبي تتسع المسافة بين الخطاب الحقوقي والممارسة الفعلية في ملفات اللجوء والتقنية وسيادة القانون. لذلك فإن الخبر الحقوقي الأهم ليس مجرد صدور بيان جديد هنا أو هناك، بل هذا التراكم الذي يقول بوضوح إن الحقوق، في هذه الجغرافيا الواسعة، لم تعد ملفًا جانبيًا، وإنما صارت مقياسًا حاسمًا لشرعية الدولة الحديثة نفسها.


0 التعليقات: