في كتابه الإشكالي هل نستحق الديمقراطية؟، لا يقدّم الروائي المصري علاء الأسواني إجابة جاهزة بقدر ما يفتح جرحًا فكريًا عميقًا في جسد الوعي العربي. إن السؤال في حد ذاته ليس بريئًا، بل يحمل في طياته شحنة اتهامية، وربما جلدًا للذات، وربما أيضًا محاولة لتفكيك بنية الاستبداد التي تلبّست المجتمعات العربية لعقود طويلة حتى أصبحت، في نظر البعض، جزءًا من تكوينها النفسي والثقافي.
منذ الصفحات الأولى، ينزع الأسواني القناع عن خطاب شائع في العالم العربي، ذلك الذي يروّج لفكرة أن الشعوب العربية “غير مؤهلة” للديمقراطية. هذا الخطاب، الذي يبدو في ظاهره واقعيًا، يكشف الكاتب زيفه باعتباره أداة أيديولوجية تُستخدم لتبرير استمرار الاستبداد. يقول في أحد المقاطع اللافتة:
“الاستبداد لا يصنع شعوبًا غير مؤهلة
للديمقراطية، بل يصنع شعوبًا خائفة، والفرق كبير بين الخوف وعدم الاستحقاق.”
بهذا
الطرح، ينتقل الأسواني من سؤال الاستحقاق إلى تفكيك آليات القمع، مبرزًا كيف يتم
إنتاج “المواطن المطيع” عبر منظومات التعليم والإعلام والدين الرسمي. هنا، يتقاطع
الخطاب الأدبي مع التحليل السياسي، ليكشف عن شبكة معقدة من المصالح التي تجعل من
الديمقراطية تهديدًا للنخب الحاكمة، لا خيارًا إصلاحيًا.
في سياق
نقدي حاد، يتناول الكاتب العلاقة الملتبسة بين السلطة والمجتمع، مشيرًا إلى أن
الاستبداد لا يعيش فقط في القصر، بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. ففي أحد
أكثر المقاطع إثارة للجدل، يكتب:
“نحن نمارس الاستبداد على من هم أضعف منا، في
البيت، في العمل، في الشارع، ثم نطالب بالحرية من فوق.”
هذا
الاعتراف الصادم يضع القارئ أمام مرآة قاسية، حيث لا يعود الاستبداد مجرد نظام
سياسي، بل يتحول إلى ثقافة متجذرة، إلى سلوك يومي، إلى بنية ذهنية تحتاج إلى تفكيك
طويل ومعقد.
لا
يتردد الأسواني في مهاجمة النفاق السياسي الذي تمارسه بعض الأنظمة العربية، خاصة
تلك التي تتغنى بالديمقراطية في خطابها الخارجي، بينما تمارس القمع داخليًا. وفي
هذا السياق، يكتب:
“الديمقراطية لا تُمنح من الحاكم، بل تُنتزع
من الشعب، وكل حديث عن إصلاح من فوق هو خدعة كبرى.”
هذا
الطرح يعيد الاعتبار لفكرة النضال الشعبي، ويضع المسؤولية على عاتق المواطن، لا
الحاكم فقط. غير أن هذا التحميل للمسؤولية لا يخلو من إشكال، إذ قد يُفهم أحيانًا
كنوع من اللوم الضمني للضحايا، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش نقدي حول حدود هذا
الخطاب.
من
الناحية الأسلوبية، يكتب الأسواني بلغة مباشرة، خالية من التعقيد، لكنها مشحونة
بالعاطفة والغضب. إنه لا يكتب من برج عاجي، بل من قلب المعركة، مستندًا إلى تجربته
الشخصية كمثقف وفاعل سياسي في مصر، خاصة خلال أحداث ثورة 25 يناير. هذا الانخراط
يمنح النص صدقية، لكنه في الوقت ذاته يجعله عرضة للانحياز، وهو ما يفرض على القارئ
أن يتعامل معه بوصفه شهادة أكثر منه تحليلًا أكاديميًا محايدًا.
في أحد
الفصول، يتناول الكاتب دور الإعلام في تكريس الاستبداد، مشيرًا إلى كيف تتحول
وسائل الإعلام إلى أدوات للتضليل، لا للتنوير. يقول:
“الإعلام في ظل الاستبداد لا ينقل الحقيقة، بل
يصنعها وفقًا لمصالح السلطة.”
هذا
النقد، رغم حدته، يعكس واقعًا ملموسًا في العديد من الدول العربية، حيث تتداخل
السلطة السياسية مع المؤسسات الإعلامية، مما يجعل من الصعب الحديث عن فضاء عمومي
حر.
غير أن
أكثر ما يميز هذا الكتاب هو قدرته على إثارة الأسئلة، لا تقديم الإجابات. فالسؤال
المركزي: “هل نستحق الديمقراطية؟” يظل مفتوحًا، بل يتحول إلى سلسلة من الأسئلة
الفرعية:
هل نحن مستعدون لتحمّل مسؤولية
الحرية؟
هل يمكن بناء ديمقراطية في ظل
ثقافة أبوية؟
هل يكفي إسقاط النظام لبناء
نظام ديمقراطي؟
في هذا
السياق، يمكن قراءة الكتاب كنوع من “الاعتراف الجماعي”، حيث يضع الأسواني إصبعه
على جراح مسكوت عنها، ويجبر القارئ على مواجهة ذاته. إنه كتاب يزعج أكثر مما يريح،
يهز أكثر مما يطمئن، وربما لهذا السبب تحديدًا يكتسب أهميته.
لكن،
رغم قوته، لا يخلو الكتاب من بعض التبسيط، خاصة في تحليله للعوامل التاريخية
والاقتصادية التي تعيق التحول الديمقراطي. فالديمقراطية ليست فقط مسألة وعي أو
إرادة، بل ترتبط أيضًا ببنية الدولة، وتوزيع الثروة، والتوازنات الدولية. تجاهل
هذه الأبعاد قد يجعل من الخطاب، رغم صدقه، ناقصًا في بعض جوانبه.
في
النهاية، يمكن القول إن “هل نستحق الديمقراطية؟” ليس مجرد كتاب، بل هو صرخة في وجه
الصمت، ومحاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة. إنه نص يكتب بالدم، لا
بالحبر، ويطرح سؤالًا سيظل يلاحقنا طويلًا:
هل المشكلة فينا، أم في من
يحكمنا، أم في العلاقة المعقدة بين الاثنين؟
ربما لا يقدّم الأسواني الجواب، لكنه ينجح في
شيء أهم: أن يجعلنا نطرح السؤال بجدية، وبشجاعة، وبألم.








0 التعليقات:
إرسال تعليق