الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أبريل 14، 2026

أدب الشاشة يعلن استقلاله ويعيد كتابة العالم من جديد: إعداد عبده حقي

 


لم تكن الإصدارات الجديدة في مجال الأدب الرقمي مجرد أخبار عابرة في هوامش المواقع الثقافية، بل بدت كأنها إشارات ضوئية متقطعة في سماء الكتابة، تنبّهنا إلى أن شيئًا عميقًا يتغير في صمت. لم يعد الأمر يتعلق بنقل النص من الورق إلى الشاشة، بل بتحوّل جذري في طبيعة النص ذاته، في بنيته، وفي علاقته بالقارئ، بل حتى في تعريفه للكتابة نفسها.

في المغرب، ورغم غياب تغطية إعلامية كثيفة ترصد هذه التحولات لحظة بلحظة، إلا أن الممارسات الرقمية تتسلل بهدوء إلى جسد الكتابة. مدونات شخصية، نصوص هجينة تُنشر على منصات مستقلة، تجارب شعرية تستعين بالصوت والصورة، ومحاولات متزايدة لتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج نصوص تفاعلية. هناك جيل جديد من الكُتّاب لا يكتب للنشر الورقي، بل يكتب للشاشة مباشرة، كأن الصفحة البيضاء تحولت إلى واجهة رقمية متعددة الطبقات، تُخفي بداخلها روابط ومسارات وخيارات لا حصر لها. في هذا السياق، لم يعد النص المغربي مجرد خطاب مكتوب، بل أصبح فضاءً مفتوحًا للتجريب، وإن ظل هذا التجريب في طور التشكّل، يبحث عن مؤسسات تحتضنه ونقد يواكبه.

أما في العالم العربي، فقد بدت الصورة أكثر وضوحًا من حيث الوعي بهذا التحول. خلال الأسبوع الماضي، ظهرت أعمال رقمية جديدة تعتمد السرد التشعبي، حيث لا يسير القارئ في خط مستقيم، بل يتنقل بين مسارات متعددة، يختارها بنفسه، ويعيد من خلالها تشكيل الحكاية. هذه النصوص لا تُقرأ، بل تُستكشف. إنها تشبه خرائط سردية أكثر مما تشبه روايات تقليدية. وفي موازاة ذلك، تتوسع تجارب الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الكاتب وحده من ينسج الجمل، بل تشاركه خوارزميات قادرة على اقتراح صور لغوية، أو توليد مقاطع كاملة. هنا، يُطرح السؤال القديم بصيغة جديدة: من يكتب فعلاً؟ الإنسان أم الآلة أم ذلك الكائن الهجين الذي يتشكل بينهما؟

في أوروبا، بدا الأسبوع الماضي كأنه لحظة استعادة لذاكرة الأدب الرقمي، ولكن بروح جديدة. أعمال تفاعلية مثل تلك التي تستند إلى تجربة القارئ داخل النص، تعود إلى الواجهة من خلال معارض رقمية ومشاريع بحثية تُعيد تقديمها في سياق معاصر. بعض هذه الأعمال يدفع القارئ إلى فقدان السيطرة على السرد، حيث تتغير الأحداث بناءً على اختيارات غير متوقعة، وكأن النص يكتب نفسه بنفسه، أو يكتب قارئه بدل أن يكتبه القارئ. إلى جانب ذلك، برزت مشاريع تعتمد تقنيات الواقع الممتد، حيث يدخل القارئ إلى النص عبر نظارات افتراضية، ويصبح جزءًا من المشهد، لا مجرد متلقٍ له. هنا، يتلاشى الحد بين الأدب والفن الرقمي، وبين القراءة والتجربة الحسية.

وفي الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية عمومًا، اتخذت الإصدارات الجديدة منحى أكثر اندماجًا مع الصناعة الثقافية. قوائم الكتب المنتظرة لم تعد تقتصر على الروايات المطبوعة، بل أصبحت تشمل أعمالًا رقمية تدمج بين السرد والبرمجة، وبين الخيال العلمي والتقنيات الحديثة. دور النشر المستقلة، على وجه الخصوص، لعبت دورًا حاسمًا في دعم هذا النوع من الأدب، حيث توفر منصات مرنة تسمح للكتّاب بتجريب أشكال جديدة دون الخضوع لشروط السوق التقليدية. كما ظهرت منصات رقمية جديدة تُقدَّم بوصفها مكتبات تفاعلية، يمكن للقارئ أن يتنقل داخلها بين نصوص متعددة، وأن يشارك أحيانًا في تطويرها أو التعليق عليها، فيتحول من قارئ إلى فاعل سردي.

ما يجمع بين هذه التحولات كلها هو أن الأدب الرقمي لم يعد مجرد امتداد للأدب الورقي، بل أصبح كيانًا مستقلًا بذاته. نصوص متعددة الوسائط، سرديات مفتوحة، تفاعل مباشر مع القارئ، واندماج متزايد مع الذكاء الاصطناعي. لقد خرج النص من ثباته، من شكله النهائي المغلق، ليصبح مشروعًا دائم التحوّل، قابلًا للتعديل، ولإعادة الكتابة في كل لحظة.

إننا أمام أدب لا يعترف بالحدود التقليدية: لا بداية ثابتة، ولا نهاية نهائية، ولا مؤلف واحد بالمعنى الكلاسيكي. كل قراءة هي كتابة جديدة، وكل تفاعل هو إضافة إلى النص. في هذا العالم، لم يعد القارئ مستهلكًا، بل أصبح شريكًا في إنتاج المعنى، وربما منافسًا للكاتب نفسه.

هكذا، يكشف لنا الأسبوع الماضي، عبر هذه الإصدارات المتناثرة في المغرب والعالم العربي وأوروبا وأمريكا، أن الأدب الرقمي لم يعد سؤالًا نظريًا، بل واقعًا يتشكل أمام أعيننا. واقع يفرض علينا إعادة التفكير في مفاهيم مثل النص، والكاتب، والقراءة، وحتى الأدب ذاته.

وفي هذا الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات، حيث تتقاطع الكلمات مع الخوارزميات، وتتحول الحكايات إلى تجارب حسية، يولد أدب جديد لا يطلب الإذن من أحد. أدب يكتب نفسه وهو يُقرأ، ويعيد كتابة العالم… سطرًا بعد سطر، ونقرة بعد نقرة.


0 التعليقات: