في لحظة رمزية ذات دلالات عميقة، تم الإعلان عن تتويج مدينة فاس عاصمةً للمجتمع المدني المغربي لسنة 2026، في مبادرة تعكس التحولات التي يشهدها الحقل الجمعوي بالمغرب، وتبرز المكانة المتقدمة التي أصبحت تحتلها المدينة في دينامية العمل المدني والتنمية التشاركية. ويأتي هذا التتويج في سياق وطني يسعى إلى تعزيز دور المجتمع المدني كشريك أساسي في صياغة السياسات العمومية وتنفيذ المشاريع التنموية.
وقد أعلنت منظمة المجتمع المدني الدولية لقيم المواطنة والتنمية والحوار “إيكسو”، بشراكة مع جمعية فاس سايس للتنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، عن هذا الاختيار، في إطار مشروع وطني مبتكر يمنح سنوياً لقب “عاصمة المجتمع المدني المغربي” لمدينة تتميز بحيوية نسيجها الجمعوي وقدرته على الابتكار والمبادرة.
هذا المشروع لا يندرج فقط ضمن إطار رمزي، بل يعكس رؤية استراتيجية تروم إعادة الاعتبار للمجتمع المدني كفاعل محوري في التنمية، انسجاماً مع التوجيهات الملكية التي تؤكد على إشراك المواطنين والهيئات المدنية في بناء النموذج التنموي الجديد.
إن اختيار فاس لم يكن اعتباطياً، بل استند إلى مجموعة من المعايير الموضوعية التي تجعل منها نموذجاً متقدماً في العمل الجمعوي. فقد أبرزت المعطيات أن المدينة تتوفر على نسيج جمعوي قوي ومتنوع، يمتد عبر مجالات متعددة تشمل الثقافة، والتنمية الاجتماعية، والاقتصاد التضامني، والعمل التطوعي، فضلاً عن تاريخها العريق في العمل التشاركي الذي يعود إلى قرون، حيث كانت فاس دائماً فضاءً للتفاعل الفكري والاجتماعي.
كما أن الحضور الثقافي والروحي للمدينة، باعتبارها إحدى الحواضر التاريخية للمغرب، يمنح العمل المدني فيها بعداً خاصاً، حيث يتداخل البعد الثقافي مع البعد الاجتماعي في إنتاج مبادرات ذات أثر مستدام. ويظهر ذلك في تعدد الجمعيات النشيطة، وقدرتها على تنظيم أنشطة تجمع بين الإبداع الثقافي والعمل الاجتماعي، ما يجعل من فاس مختبراً حياً لنماذج التنمية المحلية المبنية على المشاركة.
ومن المنتظر أن يشكل هذا التتويج فرصة لإطلاق برنامج سنوي غني بالفعاليات، يشمل تنظيم ندوات علمية وملتقيات فكرية ومعارض للابتكار، إضافة إلى فضاءات للحوار تجمع بين الفاعلين الجمعويين والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص.
هذه الأنشطة لا تقتصر على الجانب الاحتفالي، بل تهدف إلى خلق دينامية جديدة قادرة على تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتبادل التجارب الناجحة، وتطوير آليات العمل المدني بما ينسجم مع التحديات الراهنة.
في هذا السياق، يمكن قراءة هذا التتويج باعتباره اعترافاً ضمنياً بالتحولات التي يعرفها المجتمع المدني المغربي، حيث انتقل من مرحلة المطالبة والاحتجاج إلى مرحلة الشراكة والمساهمة الفعلية في التنمية. ولم يعد العمل الجمعوي مجرد نشاط هامشي، بل أصبح جزءاً من البنية المؤسساتية التي تسهم في تحقيق التوازن الاجتماعي وتعزيز الديمقراطية التشاركية.
كما يعكس اختيار فاس توجهاً نحو تثمين التجارب المحلية الناجحة، حيث سبق أن حملت مدن مغربية أخرى هذا اللقب، مثل وجدة وتارودانت وتطوان وسلا والعيون، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعميم ثقافة العمل المدني وتبادل الخبرات بين المدن.
وهذا التداول في منح اللقب يكرس فكرة أن المجتمع المدني ليس حكراً على مدينة دون أخرى، بل هو مشروع وطني مفتوح، يتطور وفق خصوصيات كل مجال ترابي.
غير أن هذا التتويج، رغم أهميته، يطرح أيضاً تحديات جوهرية، من بينها ضرورة الانتقال من منطق الاحتفاء إلى منطق التقييم، أي قياس أثر هذه المبادرات على الواقع الاجتماعي والاقتصادي. فالمجتمع المدني، لكي يحافظ على مصداقيته، مطالب بتعزيز الشفافية والحكامة الجيدة، وتطوير آليات التمويل، وضمان استقلاليته عن التجاذبات السياسية.
كما أن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة هذا التتويج على خلق أثر مستدام يتجاوز سنة 2026، بحيث تتحول فاس إلى منصة دائمة لتطوير العمل المدني، وليس فقط إلى عنوان مرحلي. وهذا يتطلب انخراطاً فعلياً من مختلف الفاعلين، سواء كانوا جمعيات أو مؤسسات أو مواطنين، في مشروع جماعي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
من جهة أخرى، يمكن اعتبار هذا الحدث فرصة لإعادة طرح سؤال دور المجتمع المدني في مواجهة التحديات الجديدة، مثل التحولات الرقمية، والهجرة، والتغيرات المناخية، والفوارق الاجتماعية. فهذه القضايا لم تعد حكراً على الدولة، بل أصبحت تتطلب مقاربة تشاركية تدمج مختلف الفاعلين.
في النهاية، يشكل تتويج فاس عاصمةً للمجتمع المدني المغربي لسنة 2026 لحظة مفصلية في مسار تطور الفعل المدني بالمغرب، حيث يلتقي التاريخ بالحاضر، وتتقاطع الذاكرة الثقافية مع الرهانات التنموية. إنه تتويج يحمل في طياته أكثر من مجرد لقب، بل يمثل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في دور المجتمع المدني، ليس فقط كفاعل مساعد، بل كشريك أساسي في بناء مستقبل المغرب.








0 التعليقات:
إرسال تعليق