الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أبريل 07، 2026

تدفقات الإبداع في مرافئ الأدب الرقمي العالمي: عبده حقي


تبدو حصيلة الأدب الرقمي هذا الأسبوع غير متوازنة جغرافيًا: ففي المغرب برز الحراك أكثر في صورة تحضير أكاديمي وانفتاح على الأفق العالمي، بينما ظهر في العالم العربي في شكل مؤتمرات وكتب جامعية تؤسس للمجال، وفي أوروبا وأمريكا اتخذ شكل دعوات بحثية وأرشفة رقمية وتوسيع شبكات التوثيق والاحتفاء بالمختبرات المتخصصة. وهذه في ذاتها علامة مهمّة: فالأدب الرقمي لم يعد مجرد “هامش تجريبي”، بل صار يدخل المؤسسة الجامعية، والمختبر، والدليل الرقمي، والندوة الدولية بوصفه حقلًا معرفيًا له أدواته وأسئلته وذاكرته.

في المغرب،الأهم كان استمرار تموقع المغرب داخل النقاش الدولي حول مستقبل الأدب العربي في الفضاءات الرقمية. ويتجلى ذلك في المؤتمر الدولي الذي تحتضنه جامعة ابن زهر بأكادير من 16 إلى 18 أبريل 2026، بتنظيم من الجمعية المغربية للأدب المقارن وشركاء أكاديميين دوليين؛ إذ يضع ضمن محاوره “التداخل الوسائطي” و”الأدب الإلكتروني” و”إدماج العربية في التكنولوجيا والفضاءات الرقمية” و”رقمنة الشعريات العربية”. هذا التطور مهم لأن الإنجاز في الأدب الرقمي لا يقاس فقط بعدد النصوص المنشورة، بل أيضًا ببناء الإطار النقدي والمؤسسي الذي يسمح بولادة هذه النصوص وقراءتها وتداولها.

أما في العالم العربي، فأبرز ما يلفت الانتباه هو استمرار انتقال الأدب الرقمي من حيز الفضول النظري إلى حيز الإنتاج الأكاديمي المنظم. فجامعة الكوفة أعلنت نشر كتاب أكاديمي محكّم بعنوان Hypertext and Beyond: Exploring Digital Literature، يركز على تقاطع الأدب والتكنولوجيا والثقافة، وعلى دور النص التشعبي في تفكيك البنية السردية التقليدية وتوسيع أفق التفاعل القرائي. مثل هذا الإصدار لا يبدو خبرا عابرا، لأنه يرسّخ مكتبة مرجعية عربية/إنجليزية تساعد الباحثين والطلبة على التعامل مع الأدب الرقمي باعتباره مجالًا معرفيًا مستقلا لا مجرد ملحق بالبلاغة أو السرديات التقليدية.

وفي القاهرة، تتجه كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر إلى عقد مؤتمر دولي يومي 27 و28 أبريل 2026 حول “الدراسات البينية في اللغة والأدب والترجمة في عصر التحول الرقمي”. وتكشف محاوره عن نضج ملحوظ في المقاربة العربية، لأنه يخصص مساحات واضحة لـ”الأدب الرقمي والسرد التفاعلي”، و”التلقي الأدبي في بيئة رقمية”، و”تحليل النصوص الرقمية”، فضلًا عن الصلة بين الأدب والذكاء الاصطناعي واللغويات الحاسوبية. أهمية هذا الحدث أنه ينقل الأدب الرقمي من مستوى الحديث الثقافي العام إلى مستوى التخطيط البحثي المتعدد التخصصات، حيث يلتقي الأدب مع الترجمة والتقنية وتحليل البيانات في مشروع أكاديمي واحد.

وفي أوروبا، بدا الخبر الأوضح هذا الأسبوع في الفضاء البحثي المرتبط بالنشر الرقمي نفسه. فقد أعلن electronic book review عن ملف علمي جديد بعنوان “Algorithmic Folklore as Transcultural Imaginaries”، وحدّد 31 مارس 2026 آخر أجل لتلقي الملخصات، مع إشراف أكاديمي مشترك من جامعة ريغنسبورغ الألمانية وجامعة بيرغن النرويجية. هذا ليس تفصيلا إداريًا فقط؛ بل علامة على أن أوروبا تدفع الأدب الرقمي نحو مناطق أكثر تركيبًا، حيث يتقاطع الفولكلور مع الخوارزمية، والتخييل مع الثقافة العابرة للحدود، والنقد الأدبي مع البنية التقنية. وحين يصبح موضوع مثل “الفولكلور الخوارزمي” مادة لملف أكاديمي دولي، فهذا يعني أن الحقل تجاوز سؤال الشرعية الأولية إلى سؤال التخصص الدقيق.

ومن جهة أخرى، أعلنت جامعة بيرغن عبر مختبرها الرقمي عن ورشة بعنوان “AI Workshop: Tools for Literature Discovery and Research Field Exploration” يوم 22 أبريل 2026. صحيح أن الورشة لا تحمل تسمية “الأدب الرقمي” مباشرة، لكنها تدخل في صلب بنيته الجديدة، لأنها تتناول أدوات الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدب والبحث فيه، أي في البنية المعرفية التي ستؤثر قريبًا في كتابة النصوص الرقمية وقراءتها وتصنيفها. وبذلك يبدو المشهد الأوروبي هذا الأسبوع مشدودًا إلى بناء الأدوات والمنهجيات أكثر من انشغاله فقط بالإعلان عن أعمال إبداعية منفردة.

وفي أمريكا، ظهرت إنجازات هذا الأسبوع في مجال الأرشفة والتوثيق والاحتفاء بالمؤسسات التي تحفظ ذاكرة الأدب المولود رقميًا. فدليل الأدب الإلكتروني التابع للمجال نفسه نشر خلال الأيام الأخيرة مدخلات جديدة لأعمال مثل Hair Nah بتاريخ 31 مارس 2026، وFibonacci’s Daughter قبل أربعة أيام، وEven Cowgirls Bleed قبل ساعات، بما يعني أن عملية الفهرسة والتوصيف النقدي للأعمال الرقمية لا تزال نشطة وتتوسع باستمرار. وهذا تطور مهم، لأن الأدب الرقمي يعيش غالبًا مهددًا بالاختفاء التقني؛ ومن ثم فإن كل عملية توثيق جديدة هي إنجاز فعلي في حماية الذاكرة الأدبية الرقمية من العطب والنسيان.

ويتعزز هذا المسار الأمريكي مع إعلان جامعة ولاية واشنطن–فانكوفر عن الاحتفال بالذكرى الخامسة عشرة لمختبر Electronic Literature Lab يوم 15 أبريل 2026. ومجرد استمرار هذا المختبر وبلوغه خمسة عشر عامًا من العمل يعكس رسوخ البنية المؤسسية التي يحتاج إليها الأدب الرقمي كي يعيش، لا بوصفه ومضة تقنية عابرة، بل بوصفه تراثًا يحتاج إلى صيانة وترميم وعرض ودرس. لذلك يمكن القول إن أمريكا هذا الأسبوع لم تقدّم “خبرًا واحدًا صاخبًا”، لكنها قدّمت ما هو أعمق: مؤسسات تحفظ الحقل وتعيد عرضه للأجيال الجديدة.

وخلاصة الأسبوع أن الإنجاز الجديد في الأدب الرقمي لم يعد محصورًا في نشر نص تفاعلي فحسب، بل صار يتوزع على أربعة مستويات متكاملة: بناء مؤتمرات ومختبرات، وإصدار كتب مرجعية، وفتح ملفات بحثية جديدة، وتوسيع أعمال الأرشفة والتوثيق. المغرب حاضر في هذا المسار من بوابة التأطير الأكاديمي والانفتاح الدولي، والعالم العربي يرسخ مفاهيمه الجامعية، وأوروبا تطور أسئلته النظرية، وأمريكا تحمي ذاكرته المؤسسية. وبهذا المعنى، فإن الأسبوع الماضي لم يكن أسبوع “الضجيج” بقدر ما كان أسبوع ترسيخ البنية التحتية للأدب الرقمي؛ وهي البنية التي ستحدد مستقبل النص العربي والعالمي في السنوات المقبلة.

 

0 التعليقات: