يُعَدُّ نَصُّ برهان العسل لِلْكَاتِبَةِ سلوى النعيمي مِنَ الأَعْمَالِ الرِّوَائِيَّةِ الَّتِي أَثَارَتْ جَدَلًا وَاسِعًا فِي الفَضَاءِ الثَّقَافِيِّ العَرَبِيِّ، لَا لِأَنَّهَا تَخُوضُ فِي مَوْضُوعٍ مَحْظُورٍ فَحَسْبُ، بَلْ لِأَنَّهَا تُعِيدُ تَشْكِيلَ العَلَاقَةِ بَيْنَ اللُّغَةِ وَالجَسَدِ وَالتُّرَاثِ بِطَرِيقَةٍ تَخْتَبِرُ حُدُودَ الكِتَابَةِ نَفْسِهَا.
تَنْطَلِقُ الرِّوَايَةُ مِنْ صَوْتٍ أُنْثَوِيٍّ سَارِدٍ، يَتَّخِذُ مِنَ الاِعْتِرَافِ وَالتَّذَكُّرِ وَالتَّأَمُّلِ أُسْلُوبًا لِبِنَاءِ خِطَابٍ سَرْدِيٍّ يَتَحَرَّكُ بَيْنَ الذَّاتِ وَالعَالَمِ. وَتَظْهَرُ الشَّخْصِيَّةُ الرَّاوِيَةُ كَكِيَانٍ يُصَارِحُ نَفْسَهُ بِرَغَبَاتِهِ وَتَجَارِبِهِ، فِي مُجْتَمَعٍ يُحَاصِرُ الجَسَدَ بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ المَحَظُورَاتِ وَالتَّابُوهَاتِ. وَمِنْ هُنَا، تَتَحَوَّلُ الرِّوَايَةُ إِلَى فِعْلِ كَشْفٍ لِمَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَإِلَى مُحَاوَلَةٍ لِإِعَادَةِ الاِعْتِبَارِ لِلرَّغْبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ فِي بُعْدِهَا الطَّبِيعِيِّ.
تُقَدِّمُ النَّعِيمِي فِي هَذَا العَمَلِ رُؤْيَةً جَرِيئَةً لِلْجَسَدِ، إِذْ تَجْعَلُهُ مَرْكَزَ التَّجْرِبَةِ وَمِحْوَرَ المَعْرِفَةِ، وَتُقِيمُ نَوْعًا مِنَ التَّمَاهِي بَيْنَ الرُّوحِ وَالمَادَّةِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الجَسَدُ إِلَى وَسِيلَةٍ لِفَهْمِ العَالَمِ وَتَفْكِيكِهِ. وَقَدْ جَاءَتْ بَدَايَةُ الرِّوَايَةِ صَادِمَةً بِقَوْلِهَا: «أَنَا أَسْتَحْضِرُ الأَجْسَادَ»، فِي إِشَارَةٍ صَرِيحَةٍ إِلَى تَغْيِيرِ مِحْوَرِ السَّرْدِ مِنَ المِيتَافِيزِيقَا إِلَى الحِسِّيِّ .
غَيْرَ أَنَّ قِيمَةَ الرِّوَايَةِ لَا تَكْمُنُ فِي جُرْأَتِهَا المَوْضُوعَاتِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ فِي بِنْيَتِهَا النَّصِّيَّةِ المُرَكَّبَةِ، إِذْ تَعْمَدُ الكَاتِبَةُ إِلَى تَوْظِيفِ نُصُوصٍ مِنَ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ الإِيرُوتِيكِيِّ، مُسْتَحْضِرَةً أَصْوَاتَ الجَاحِظِ وَالسُّيُوطِيِّ وَغَيْرِهِمْ، فِي نَسِيجٍ سَرْدِيٍّ يَجْمَعُ بَيْنَ الحَاضِرِ وَالمَاضِي . وَهَذَا التَّدَاخُلُ النَّصِّيُّ لَا يَأْتِي كَزِينَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ، بَلْ كَآلِيَّةٍ لِإِعَادَةِ قِرَاءَةِ التُّرَاثِ وَتَفْكِيكِ صُورَتِهِ المُحَافِظَةِ الَّتِي تَرَسَّخَتْ فِي الوَعْيِ الجَمْعِيِّ.
وَمِنْ هُنَا، تَتَّخِذُ الرِّوَايَةُ بُعْدًا سُوسْيُو-ثَقَافِيًّا، حَيْثُ تُحَاوِلُ النَّعِيمِي أَنْ تُثْبِتَ أَنَّ الثَّقَافَةَ العَرَبِيَّةَ لَمْ تَكُنْ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ مُنْغَلِقَةً عَلَى مَوْضُوعِ الجِنْسِ، بَلْ إِنَّ التُّرَاثَ نَفْسَهُ يَزْخَرُ بِكِتَابَاتٍ حَمِيمِيَّةٍ تَمَّ تَهْمِيشُهَا أَوْ إِقْصَاؤُهَا . وَبِذَلِكَ، تَغْدُو الرِّوَايَةُ أَشْبَهَ بِمُرَافَعَةٍ ضِدَّ النِّفَاقِ الثَّقَافِيِّ الَّذِي يُدِينُ الجَسَدَ فِي الحَاضِرِ وَيَتَغَاضَى عَنْ حُضُورِهِ فِي المَاضِي.
عَلَى مُسْتَوَى البِنْيَةِ، تَبْتَعِدُ الرِّوَايَةُ عَنْ الشَّكْلِ التَّقْلِيدِيِّ، فَلَا تَنْقَسِمُ إِلَى فُصُولٍ بَلْ إِلَى «أَبْوَابٍ» عَلَى غِرَارِ الكُتُبِ التُّرَاثِيَّةِ، وَهُوَ اخْتِيَارٌ يَحْمِلُ دَلَالَةً جَمَالِيَّةً وَفِكْرِيَّةً فِي آنٍ وَاحِدٍ، إِذْ يُؤَكِّدُ عَلَى اسْتِمْرَارِيَّةِ الخِطَابِ بَيْنَ المَاضِي وَالحَاضِرِ . وَهَذَا التَّشْكِيلُ البِنَائِيُّ يَجْعَلُ النَّصَّ مَفْتُوحًا عَلَى التَّأْوِيلِ، حَيْثُ يُصْبِحُ القَارِئُ شَرِيكًا فِي إِنْتَاجِ المَعْنَى.
لَكِنْ، رَغْمَ هَذِهِ المِيزَاتِ، لَمْ تَسْلَمِ الرِّوَايَةُ مِنَ النَّقْدِ، إِذْ رَأَى بَعْضُ النُّقَّادِ أَنَّهَا تَنْزَلِقُ أَحْيَانًا إِلَى مَجَرَّدِ عَرْضٍ مُبَاشِرٍ لِلْمَشَاهِدِ الجِنْسِيَّةِ، دُونَ تَعْمِيقٍ كَافٍ لِلشَّخْصِيَّاتِ أَوْ تَطْوِيرٍ دِرَامِيٍّ مُتَمَاسِكٍ، حَيْثُ تَظْهَرُ الشَّخْصِيَّاتُ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ كَوَظَائِفَ سَرْدِيَّةٍ تَخْدِمُ الفِكْرَةَ الأَسَاسِيَّةَ أَكْثَرَ مِمَّا تَعْكِسُ عُمُقًا إِنْسَانِيًّا مُتَشَعِّبًا . كَمَا أَنَّ الاِسْتِشْهَادَاتِ التُّرَاثِيَّةَ، عَلَى غِنَاهَا، قَدْ تَبْدُو فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ كَأَنَّهَا اِسْتِعْرَاضٌ مَعْرِفِيٌّ يُقَاطِعُ سَيْرَ السَّرْدِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ المُلَاحَظَاتِ لَا تُلْغِي القِيمَةَ الفِكْرِيَّةَ وَالجَمَالِيَّةَ لِلنَّصِّ، بَلْ تُسَاهِمُ فِي إِثْرَاءِ الجِدَالِ حَوْلَهُ. فَالرِّوَايَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حِكَايَةٍ عَنْ الجَسَدِ، بَلْ هِيَ تَفْكِيكٌ لِسُلْطَةِ اللُّغَةِ وَالمُجْتَمَعِ، وَمُحَاوَلَةٌ لِإِعَادَةِ تَعْرِيفِ الأُنُوثَةِ خَارِجَ القَوَالِبِ الجَاهِزَةِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَظْهَرُ البَطَلَةُ كَصَوْتٍ مُتَمَرِّدٍ يَرْفُضُ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِلنَّظَرِ، وَيُصِرُّ عَلَى أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا فِي إِنْتَاجِ المَعْنَى وَاللَّذَّةِ.
إِنَّ أَهَمَّ مَا تُثِيرُهُ «بُرْهَانُ العَسَلِ» هُوَ سُؤَالُ الحُرِّيَّةِ: هَلْ يُمْكِنُ لِلأَدَبِ أَنْ يَكْتُبَ الجَسَدَ بِحُرِّيَّةٍ فِي مُجْتَمَعٍ يُقَيِّدُهُ بِسُلْطَةِ الأَخْلَاقِ؟ وَهَلْ يُمْكِنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَحَدَّثَ عَنْ رَغَبَاتِهَا دُونَ أَنْ تُتَّهَمَ بِتَجَاوُزِ الحُدُودِ؟ تَأْتِي الرِّوَايَةُ كَإِجَابَةٍ جَرِيئَةٍ عَلَى هَذِهِ الأَسْئِلَةِ، حَيْثُ تُصِرُّ عَلَى أَنَّ الكِتَابَةَ لَيْسَتْ خُضُوعًا لِلسُّلْطَةِ، بَلْ فِعْلُ مُقَاوَمَةٍ لَهَا.
وَفِي المُحَصِّلَةِ، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ «بُرْهَانَ العَسَلِ» لَيْسَتْ رِوَايَةً عَادِيَّةً، بَلْ نَصٌّ يَخْتَبِرُ حُدُودَ الأَدَبِ وَيُعِيدُ طَرْحَ سُؤَالِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الجَسَدِ وَاللُّغَةِ وَالثَّقَافَةِ. وَإِذَا كَانَتْ قَدْ أَثَارَتْ صَدْمَةً فِي وَقْتِ صُدُورِهَا، فَإِنَّهَا تَبْقَى، إِلَى اليَوْمِ، نَصًّا مِفْتَاحِيًّا فِي فَهْمِ تَحَوُّلَاتِ السَّرْدِ العَرَبِيِّ المُعَاصِرِ، وَفِي رَصْدِ مَسَارِ تَحَرُّرِ الصَّوْتِ الأُنْثَوِيِّ مِنْ قُيُودِهِ التَّقْلِيدِيَّةِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق