الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أبريل 22، 2026

محنة الكتب الممنوعة اليوم مع كتاب "العقد الاجتماعي " ملف من إعداد عبده حقي


يَتَجَلَّى كِتَابُ جان جاك روسو «العَقْدُ الاِجْتِمَاعِيُّ» كَوَاحِدٍ مِنْ أَكْثَرِ النُّصُوصِ الفَلْسَفِيَّةِ إِثَارَةً لِلجَدَلِ وَتَأْثِيرًا فِي مَسَارِ الفِكْرِ السِّيَاسِيِّ الحَدِيثِ. فَهُوَ لَا يَكْتَفِي بِوَصْفِ العَالَمِ، بَلْ يَسْعَى إِلَى إِعَادَةِ تَأْسِيسِهِ عَلَى أُسُسٍ جَدِيدَةٍ، تَجْعَلُ مِنَ الإِنْسَانِ مِحْوَرًا لِلسُّلْطَةِ وَغَايَتَهَا فِي الآنِ نَفْسِهِ. وَقَدْ صَدَرَ هَذَا الكِتَابُ سَنَةَ 1762، فِي سِيَاقٍ أُورُوبِّيٍّ مُتَوَتِّرٍ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ بَدِيلٍ لِشَرْعِيَّةِ الحُكْمِ المُطْلَقِ وَالسُّلْطَةِ الدِّينِيَّةِ .

وَيَبْدَأُ رُوسُو نَصَّهُ بِجُمْلَةٍ أَصْبَحَتْ شِعَارًا كَوْنِيًّا: «يُولَدُ الإِنْسَانُ حُرًّا، وَهُوَ فِي الأَغْلَالِ فِي كُلِّ مَكَانٍ»، وَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ اِسْتِهْلَالٍ أَدَبِيٍّ، بَلْ إِعْلَانُ قَطِيعَةٍ مَعَ كُلِّ أَشْكَالِ الخُضُوعِ التَّارِيخِيِّ. وَمِنْ هُنَا، يَنْطَلِقُ المَشْرُوعُ الرُّوسُوِيُّ لِبِنَاءِ نَظَرِيَّةٍ تُؤَسِّسُ لِسِيَادَةِ الشَّعْبِ وَتُحَوِّلُ الحُكْمَ مِنْ اِمْتِيَازٍ إِلَى عَقْدٍ.

فِي جَوْهَرِ هَذَا الكِتَابِ، يُقَدِّمُ رُوسُو فِكْرَةَ «الإِرَادَةِ العَامَّةِ»، وَهِيَ مَفْهُومٌ مِحْوَرِيٌّ يُعَبِّرُ عَنْ المَصْلَحَةِ المُشْتَرَكَةِ لِكُلِّ أَفْرَادِ المُجْتَمَعِ. فَلَيْسَ القَانُونُ عِنْدَهُ أَمْرًا فَوْقِيًّا، بَلْ هُوَ تَجْسِيدٌ لِهَذِهِ الإِرَادَةِ الجَمَاعِيَّةِ . وَهُوَ بِذَلِكَ يَرْفُضُ مَبْدَأَ «حَقِّ الأَقْوَى»، مُؤَكِّدًا أَنَّ القُوَّةَ لَا تُنْتِجُ الحَقَّ، وَأَنَّ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَتَأَسَّسُ إِلَّا عَلَى الرِّضَا الجَمَاعِيِّ.

غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الأُطْرُوحَةَ الَّتِي تَبْدُو فِي ظَاهِرِهَا تَحْرِيرِيَّةً، تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا بُذُورَ مُفَارَقَةٍ خَطِيرَةٍ. فَرُوسُو يَقُولُ فِي مَوْضِعٍ شَهِيرٍ إِنَّ الإِنْسَانَ قَدْ «يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَكُونَ حُرًّا»، وَهُوَ تَعْبِيرٌ يَفْتَحُ بَابًا وَاسِعًا لِلتَّأْوِيلِ، بَلْ لِلتَّسَلُّطِ. فَهَلْ يُمْكِنُ فَعْلًا فَرْضُ الحُرِّيَّةِ بِالإِكْرَاهِ؟ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَعْمَلَ هَذِهِ الفِكْرَةُ لِتَبْرِيرِ أَنْظِمَةٍ شُمُولِيَّةٍ تَدَّعِي تَجْسِيدَ الإِرَادَةِ العَامَّةِ؟

إِنَّ أَحَدَ أَكْثَرِ المَقَاطِعِ إِثَارَةً لِلجَدَلِ فِي الكِتَابِ يَتَجَلَّى فِي نَقْدِهِ اللَّاذِعِ لِلَّامُسَاوَاةِ، حَيْثُ يَقُولُ: «إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَمْنَحُوا الدَّوْلَةَ ثَبَاتًا فَقَرِّبُوا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ... وَلَا تَتَحَمَّلُوا وُجُودَ أُغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ» . وَهُوَ قَوْلٌ يَحْمِلُ فِي بَعْضِ تَأْوِيلَاتِهِ نَزْعَةً جِذْرِيَّةً تُقَارِبُ الطُّوبَى الاِجْتِمَاعِيَّةَ، وَتُثِيرُ سُؤَالًا عَمِيقًا حَوْلَ إِمْكَانِ تَحْقِيقِ المُسَاوَاةِ دُونَ الإِخْلَالِ بِالحُرِّيَّاتِ الفَرْدِيَّةِ.

وَلَا يَقِفُ رُوسُو عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ يَمْضِي إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، فِي رَفْضِهِ لِفِكْرَةِ تَوْرِيثِ السُّلْطَةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ «الأُمَمَ وَالشُّعُوبَ لَيْسَتْ مِتَاعًا يُورَّثُ» . وَهُوَ مَوْقِفٌ ثَوْرِيٌّ بِمِقْيَاسِ عَصْرِهِ، إِذْ كَانَتِ المَلَكِيَّاتُ المُطْلَقَةُ تَعُدُّ الحُكْمَ حَقًّا طَبِيعِيًّا مُنْتَقِلًا بِالوِرَاثَةِ.

وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّقْدَ الحَدِيثَ لِرُوسُو يَكْشِفُ عَنْ تَنَاقُضٍ دَاخِلِيٍّ فِي بِنْيَةِ نَظَرِيَّتِهِ. فَبَيْنَمَا يُعْلِي مِنْ شَأْنِ الحُرِّيَّةِ، يَضَعُهَا تَحْتَ سُلْطَةِ «الإِرَادَةِ العَامَّةِ» الَّتِي قَدْ تَتَحَوَّلُ إِلَى كِيَانٍ مُجَرَّدٍ يَفْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الأَفْرَادِ. وَهُنَا يَتَدَخَّلُ التَّسَاؤُلُ النَّقْدِيُّ: مَنْ يُحَدِّدُ هَذِهِ الإِرَادَةَ؟ وَمَنْ يَضْمَنُ أَلَّا تَتَحَوَّلَ إِلَى أَدَاةِ قَمْعٍ بِاسْمِ الجَمَاعَةِ؟

كَذَلِكَ، يُؤْخَذُ عَلَى رُوسُو أَنَّهُ يَتَصَوَّرُ الإِنْسَانَ فِي «حَالَةِ الطَّبِيعَةِ» كَكائِنٍ خَيِّرٍ بِالفِطْرَةِ، وَأَنَّ الفَسَادَ يَنْشَأُ مِنَ المُجْتَمَعِ. وَهِيَ فِكْرَةٌ جَذَّابَةٌ أَدَبِيًّا، لَكِنَّهَا تَبْدُو تَبْسِيطِيَّةً فِي ضَوْءِ الدِّرَاسَاتِ الحَدِيثَةِ الَّتِي تُؤَكِّدُ أَنَّ الطَّبِيعَةَ البَشَرِيَّةَ مُرَكَّبَةٌ وَمُتَنَاقِضَةٌ.

وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُ الأَثَرِ العَمِيقِ لِهَذَا الكِتَابِ، فَقَدْ كَانَ مِنْ بَيْنِ الأُسُسِ الفِكْرِيَّةِ الَّتِي مَهَّدَتْ لِلثَّوْرَةِ الفَرَنْسِيَّةِ، وَسَاهَمَ فِي إِعَادَةِ تَعْرِيفِ مَفْهُومِ السِّيَادَةِ وَالشَّرْعِيَّةِ . إِنَّهُ كِتَابٌ لَا يُقْرَأُ فَقَطْ كَنَصٍّ فَلْسَفِيٍّ، بَلْ كَحَدَثٍ تَارِيخِيٍّ أَعَادَ تَشْكِيلَ العَالَمِ السِّيَاسِيِّ.

فِي النِّهَايَةِ، يَبْقَى «العَقْدُ الاِجْتِمَاعِيُّ» نَصًّا مُفْتُوحًا عَلَى التَّأْوِيلِ، يُغْرِي بِالقِرَاءَةِ وَيَسْتَفِزُّ النَّقْدَ فِي الآنِ نَفْسِهِ. هُوَ نَصٌّ يَعِدُ بِالحُرِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يُخْفِي فِي أَعْمَاقِهِ سُؤَالًا مُقْلِقًا: هَلْ يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا حَقًّا دَاخِلَ نِظَامٍ يَفْرِضُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؟

وَبَيْنَ وَعْدِ الحُرِّيَّةِ وَهَاجِسِ السُّلْطَةِ، يَظَلُّ رُوسُو وَاقِفًا عَلَى حَافَّةِ المُفَارَقَةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَنَا إِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الحُرِّيَّةِ لَيْسَ مُعَبَّدًا بِالنَّوَايَا الحَسَنَةِ فَقَطْ، بَلْ مَفْرُوشٌ أَيْضًا بِالأَسْئِلَةِ الَّتِي لَا تَنْتَهِي.


0 التعليقات: