الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أبريل 10، 2026

كأس مُعلَّقٌة بين العشب والقانون: عبده حقي


في لحظةٍ بدت كأنها خارجة من روايةٍ سريالية، وجد نهائي كأس إفريقيا للأمم 2025 نفسه معلقًا بين حقيقتين: حقيقة العشب الأخضر، حيث تتدحرج الكرة وتُحسم النتائج بقدمٍ حاسمة، وحقيقة القانون، حيث تُعاد صياغة الوقائع في مكاتب باردة لا تعرف صخب المدرجات. بين هاتين الحقيقتين، نشأ جدلٌ كروي وسياسي لم تعرفه القارة الإفريقية بهذا العمق منذ عقود.

لقد جمع النهائي بين المنتخب المغربي لكرة القدم ومنتخب السنغال لكرة القدم، في مواجهة كانت تُقرأ مسبقًا كصدام بين مدرستين: الأولى تُجسّد صعود المغرب كقوة كروية حديثة، مدعومة ببنية تحتية واستراتيجية رياضية متقدمة، والثانية تُعبّر عن استمرارية السنغال كقوة إفريقية راسخة منذ تتويجها القاري الأخير.

غير أن ما حدث تجاوز حدود المنافسة الرياضية، ليُلامس تخوم السياسة، والرمزية، وحتى السيادة.

على أرضية الملعب، كان السيناريو واضحًا: هدف سنغالي حاسم، صمود تكتيكي، وانتصار بدا مستحقًا في منطق الكرة. لكن المباراة لم تنتهِ عند صافرة الحكم، بل بدأت بعدها قصة أخرى، أكثر تعقيدًا وغموضًا. احتجاجات، انسحابات مؤقتة، قراءات متباينة للوائح، ثم تدخل حاسم من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، الذي حوّل النتيجة من انتصار سنغالي إلى فوز قانوني مستحق للمغرب.

هنا، يبدأ السؤال الحقيقي: من هو البطل؟
هل هو من سجّل الهدف؟ أم من انتصر في دفاتر القانون؟

إن هذا التحول من نتيجة ميدانية إلى حكم إداري يكشف عن هشاشة التوازن بين الرياضة كفعل تنافسي، والمؤسسات كسلطة تنظيمية. ففي لحظة واحدة، تحوّل الملعب من فضاء للعدالة الرياضية إلى مجرد مرحلة أولى في مسار قضائي طويل، قد يمتد إلى محكمة التحكيم الرياضي.

لكن هذا الجدل لا يمكن قراءته فقط من زاوية قانونية. فالمغرب، الذي استثمر خلال العقد الأخير في البنية التحتية، وتنظيم التظاهرات الكبرى، وبناء صورة دولية حديثة، وجد في هذا اللقب—حتى وهو قانوني—امتدادًا لمشروعه الاستراتيجي في القوة الناعمة. إن الفوز، هنا، ليس مجرد كأس، بل هو إعلان عن موقع جديد في خريطة النفوذ الرياضي الإفريقي.

في المقابل، شعرت السنغال بأن ما تحقق على أرض الملعب قد سُحب منها خارج الملعب، في مشهد يُعيد إلى الأذهان أسئلة العدالة والإنصاف داخل المنظومة الكروية الإفريقية. هل القوانين تُطبّق بحياد كامل؟ أم أن هناك اختلالات غير مرئية تتحكم في النتائج النهائية؟

إن هذا التوتر بين “الشرعية الميدانية” و“الشرعية القانونية” يعكس أزمة أعمق في كرة القدم الإفريقية، حيث لم تعد النتائج تُحسم فقط بالأداء، بل أيضًا بتأويل النصوص، وتوازن القوى داخل المؤسسات.

ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا الحدث كمرآة لعلاقة معقدة بين الرياضة والسياسة في القارة. فالمباريات الكبرى لم تعد مجرد منافسات، بل أصبحت مساحات لإعادة إنتاج الرمزية الوطنية، وإبراز التفوق، بل وحتى تصفية التوترات غير المعلنة بين الدول.

في هذا السياق، يبدو نهائي 2025 كأنه نص مفتوح، قابل لتأويلات متعددة. فالمغرب بطلٌ في الوثائق، والسنغال بطلٌ في الذاكرة الجماعية لجمهورها. وبين الوثيقة والذاكرة، تتشكل منطقة رمادية، هي الأكثر إثارة للقلق والتأمل.

إن ما يثير الانتباه أيضًا هو دور الإعلام في تضخيم هذا الجدل، حيث تحوّلت الروايات إلى معسكرات: رواية قانونية تُدافع عن قرار الاتحاد الإفريقي، ورواية عاطفية تُناصر “عدالة الملعب”. وبينهما، يقف المتلقي الإفريقي حائرًا، يتساءل: هل ما زلنا نؤمن بأن الكرة تُنصف الأفضل؟

ربما يكون هذا النهائي قد كشف عن حاجة ملحة لإصلاحات عميقة داخل المنظومة الكروية الإفريقية، ليس فقط على مستوى التحكيم، بل أيضًا في آليات الحسم القانوني، وضمان الشفافية، وإعادة بناء الثقة بين الفرق والمؤسسات.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا:
هل يمكن لكرة القدم أن تبقى لعبةً بريئة في عالمٍ تُسيطر عليه الحسابات الكبرى؟

لقد انتهت المباراة، لكن القصة لم تنتهِ.
فالكأس التي رُفعت في الرباط، لم تُرفع في قلوب الجميع بنفس الطريقة.

وبين عشب الملعب وأوراق القانون، سيظل نهائي 2025 شاهدًا على لحظةٍ انكسرت فيها بساطة اللعبة، لتتحول إلى خطابٍ معقّد عن السلطة، والعدالة، والهوية.

عبده حقي

0 التعليقات: