في كتابه المرجعي Convergence Culture، لا يقدّم Henry Jenkins مجرد أطروحة حول الإعلام، بل يفتح نافذة على عالمٍ يتداخل فيه السرد بالسلطة، والتكنولوجيا بالخيال، والجمهور بالمؤلف. إنه كتاب يُشبه مدينةً افتراضية، تتقاطع فيها الحكايات، وتذوب الحدود بين من يكتب ومن يقرأ، بين من يُنتج ومن يستهلك.
منذ الصفحات الأولى، يعلن جينكنز أن “التقارب” ليس مجرد اندماج تقني بين الوسائط، بل هو تحوّل ثقافي عميق. فالمسألة لا تتعلق بانتقال المحتوى من التلفزيون إلى الإنترنت، بل بانتقال السلطة نفسها: من المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى جمهورٍ أصبح قادرًا على إعادة إنتاج المعنى. هنا، لا يعود المتلقي صامتًا، بل يتحول إلى “فاعل سردي”، يعيد كتابة النصوص، ويعيد توزيعها، ويُحمّلها دلالات جديدة.
هذا التحول يقودنا إلى مفهوم “الثقافة التشاركية” الذي يحتل قلب الكتاب. فالجمهور، في نظر جينكنز، لم يعد مجرد كتلة استهلاكية، بل أصبح مجتمعًا من المنتجين الصغار، أو ما يمكن تسميته بـ”الهواة المحترفين”. هؤلاء لا يكتفون بمشاهدة الأفلام أو قراءة الروايات، بل يعيدون صياغتها عبر الفيديوهات، والمنتديات، ومنصات التواصل، فيخلقون طبقات جديدة من المعنى. إنها كتابة جماعية، بلا مركز، بلا سلطة واحدة، تشبه إلى حد بعيد ما يسميه الفلاسفة “تفكك المؤلف”.
غير أن جينكنز لا يقع في فخ التفاؤل المطلق. فهو يدرك أن هذا “التحرر” الجماهيري يحدث داخل منظومات اقتصادية قوية. الشركات الكبرى، مثل هوليوود، لا تزال تتحكم في البنية التحتية للإنتاج والتوزيع، حتى وإن سمحت بهوامش من الحرية للجمهور. هنا، يظهر التوتر الأساسي في الكتاب: صراع خفي بين ثقافة القاعدة (bottom-up) وثقافة القمة (top-down). إنه صراع بين من يملك الوسيلة ومن يملك المعنى.
ولعل أبرز ما يميز هذا العمل هو اعتماده على أمثلة حية من الثقافة الشعبية، مثل برامج تلفزيون الواقع، وسلاسل الأفلام، ومجتمعات المعجبين. هذه الأمثلة ليست مجرد شواهد، بل هي مختبرات حقيقية لفهم كيف يتشكل المعنى في العصر الرقمي. فالمعجب، في عالم جينكنز، ليس متلقياً ساذجًا، بل ناقدًا، ومحررًا، وأحيانًا مبدعًا يوازي المؤلف الأصلي.
لكن القراءة النقدية لهذا الكتاب من زاوية عربية تفرض علينا طرح سؤالٍ مقلق: هل تحقق هذا “التقارب الثقافي” في العالم العربي؟ أم أننا ما زلنا نعيش في مرحلة انتقالية، حيث تهيمن المؤسسات، ويظل الجمهور محاصرًا بين الاستهلاك والرغبة في المشاركة؟
في السياق العربي، تبدو “الثقافة التشاركية” موجودة، لكنها غير مكتملة. فوسائل التواصل الاجتماعي فتحت المجال أمام التعبير، لكنها لم تُلغِ الفوارق في السلطة والمعرفة. لا يزال هناك مركز قوي، حتى وإن بدا متصدعًا.
ثم إن جينكنز، رغم عمق تحليله، ينطلق من بيئة إعلامية غربية، حيث البنية التكنولوجية متطورة، وحيث حرية التعبير أوسع نسبيًا. أما في مجتمعاتنا، فإن التقارب لا يحدث فقط بين الوسائط، بل بين الرقابة والحرية، بين التعبير والخوف، بين الرغبة في الكلام وحدود المسموح به. وهنا، يصبح “التقارب” مفهومًا أكثر تعقيدًا، وربما أكثر مأساوية.
من زاوية أسلوبية، يتميز الكتاب بلغة تحليلية واضحة، لكنها لا تخلو من نفسٍ سردي. جينكنز لا يكتب كأكاديمي جاف، بل كراوٍ يتتبع تحولات العالم من خلال قصص صغيرة: مشاهدين، معجبين، منتديات، فيديوهات… كأن الكتاب نفسه يُحاكي موضوعه، فيمزج بين التحليل والسرد، بين النظرية والحكاية.
في النهاية، يمكن القول إن “Convergence Culture” ليس مجرد كتاب عن الإعلام، بل هو كتاب عن الإنسان في زمن التحول. إنه يحاول أن يجيب عن سؤال بسيط ومعقّد في آنٍ واحد: ماذا يحدث للمعنى عندما يصبح الجميع قادرين على إنتاجه؟
الإجابة ليست نهائية، بل مفتوحة، مثل هذا العالم الرقمي الذي لا يكف عن التغيّر.
وهكذا، يتركنا جينكنز أمام مفارقة لافتة: كلما اتسعت مساحة المشاركة، ازداد الغموض حول من يملك الحقيقة. وربما، في هذا الغموض بالذات، يكمن جوهر الثقافة الجديدة… ثقافة لا تُكتب من طرف واحد، بل تُعاد كتابتها إلى ما لا نهاية.







0 التعليقات:
إرسال تعليق