في لحظةٍ ثقافيةٍ نادرة، تتجاوز حدود الإعلان العابر إلى أفق الحدث الرمزي، تحتضن أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، مساء الأربعاء 15 أبريل 2026، موعدًا موسيقيًا استثنائيًا يضع الذائقة السمعية المغربية أمام اختبار جمالي رفيع. يتعلق الأمر بتقديم عمل "Lettre d’amour" للمؤلف المغربي أحمد صياد، أحد أبرز وجوه الموسيقى الكلاسيكية المعاصرة، الذي ظل لعقود يكتب نصوصه النغمية كما لو كانت تأملات فلسفية في معنى الصوت والهوية.
ليس من باب المصادفة أن تختار الأكاديمية هذا العمل بالذات. فـ"رسالة حب" عند أحمد صياد لا تُقرأ بوصفها انفعالًا عاطفيًا بسيطًا، بل بوصفها بناءً صوتيًا معقدًا، يُزاوج بين التجريد الموسيقي وذاكرة الشرق، ويُعيد مساءلة العلاقة بين اللغة والنغمة، بين الجسد والصوت، وبين الصمت وما يتخفّى داخله من توترات دلالية.
سيُقدَّم هذا العمل من طرف فرقة L’Instant Donné، وهي من الأسماء الأوروبية التي راكمت تجربة متميزة في أداء الموسيقى المعاصرة، حيث لا يكتفي العازفون بتنفيذ النص الموسيقي، بل يعيدون خلقه في كل مرة، كما لو كانوا يكتبونه من جديد على خشبة المسرح. وتُضفي مشاركة السوبرانو ماريون تاسو بعدًا دراميًا خاصًا، بصوتٍ قادر على الانزلاق بين الهشاشة والقوة، بين الهمس والانفجار، في انسجامٍ مع روح العمل المركّبة.
في هذا السياق، لا يبدو الحدث مجرد حفل موسيقي، بل أشبه بمختبر جمالي تُختبر فيه حدود الإصغاء. فالموسيقى عند أحمد صيادليست زخرفة سمعية، بل فعل تفكير، وكتابة موازية تُقاوم النمطية، وتُعيد تشكيل العلاقة بين المستمع والعمل الفني. إنها موسيقى لا تُهادن الأذن، بل تُربكها، تُقلقها، وتدفعها إلى إعادة اكتشاف قدرتها على التأويل.
ويكتسب هذا الموعد أهميته أيضًا من رمزية الفضاء الذي يحتضنه. فـأكاديمية المملكة المغربية ليست مجرد مؤسسة ثقافية، بل فضاءٌ لتقاطع المعارف، حيث تلتقي الفلسفة بالأدب، والفن بالسياسة، في حوارٍ مفتوح حول أسئلة المعاصرة. ومن هنا، فإن استضافة عمل من هذا النوع تندرج ضمن رؤية أوسع تسعى إلى ترسيخ موقع المغرب ضمن الخريطة الثقافية العالمية، ليس فقط كمستهلكٍ للإبداع، بل كمنتجٍ له أيضًا.
إن "Lettre d’amour" في هذا السياق، ليست رسالة شخصية، بل خطاب ثقافي موجّه إلى العالم، يعلن من خلاله أحمد صيادأن الموسيقى المغربية قادرة على الانخراط في أكثر أشكال التعبير حداثة وتعقيدًا، دون أن تفقد جذورها أو خصوصيتها. إنها كتابة بالنغم، تُعيد الاعتبار للصوت كأداة تفكير، وكجسرٍ بين الثقافات.
هكذا، يتحول مساء الخامس عشر من أبريل إلى موعدٍ مع تجربة حسية وفكرية في الآن ذاته، حيث لا يُطلب من الجمهور أن يصفّق فقط، بل أن يُصغي… أن يُعيد تعلّم الإصغاء، كما لو أنه يكتشف الموسيقى للمرة الأولى.
وفي زمنٍ تُختزل فيه الفنون أحيانًا في الاستهلاك السريع، تأتي هذه الأمسية لتذكّرنا بأن هناك فنونًا لا تُستهلك، بل تُعاش. وأن هناك رسائل حب لا تُكتب بالحروف، بل تُنحت في الهواء… ثم تختفي، تاركةً أثرها في الذاكرة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق