الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أبريل 11، 2026

محنة الكتب الممنوعة اليوم مع كتاب "نقد الخطاب الديني " ملف من إعداد عبده حقي


في كتابه الصادم «نقد الخطاب الديني»، لا يكتب المفكر المصري نصر حامد أبو زيد نصاً عادياً يمكن إدراجه ضمن رفوف الدراسات الإسلامية، بل يفتح جرحاً معرفياً عميقاً في جسد الثقافة العربية، جرحاً ظلّ ينزف طويلاً لأنه مسّ منطقة ظلّ كثيرون يعتبرونها خارج النقاش: منطقة التأويل، حيث يتحول الفهم إلى سلطة، والقراءة إلى يقين، والنص إلى ساحة صراع لا تنتهي.

منذ الصفحات الأولى، يعلن أبو زيد، بصوت هادئ لكنه حاد، أن ما نواجهه في واقعنا ليس “الدين” في ذاته، بل “الخطاب الديني”، أي تلك البنية التأويلية التي أنتجها البشر عبر التاريخ، وأضفوا عليها طابع القداسة حتى صارت في نظر العامة جزءاً من الدين نفسه. هنا، يبدأ التفكيك: فالدين، في جوهره، نص مفتوح، متعدد الدلالات، بينما الخطاب الديني، كما يمارَس، يسعى إلى إغلاق هذا النص داخل قوالب جاهزة، تحرسها مؤسسات، وتدافع عنها سلطات، وتعيد إنتاجها أجيال متعاقبة دون مساءلة.

في هذا السياق، يذهب أبو زيد إلى فكرة جريئة مفادها أن الخطابات الدينية، على اختلاف توجهاتها، تتشابه في بنيتها العميقة، إذ تعتمد آليات ذهنية واحدة، حتى وإن اختلفت في النتائج. ففي أحد المقاطع الدالة من الكتاب، يكتب بما معناه: إن الفرق بين الخطاب المعتدل والمتطرف ليس فرقاً في النوع، بل في الدرجة، لأن كليهما ينطلق من نفس المنطلقات المغلقة (ص. 25 تقريباً). هذه الفكرة وحدها كفيلة بإثارة عاصفة، لأنها تنزع الشرعية عن الثنائية السائدة بين “الاعتدال” و“التطرف”، وتكشف أن المشكلة أعمق من مجرد انحراف هنا أو هناك؛ إنها كامنة في طريقة التفكير ذاتها.

غير أن اللحظة الأكثر حساسية في مشروع أبو زيد تتجلى في نظرته إلى النص الديني بوصفه نصاً لغوياً يخضع لقوانين التأويل. فهو يرى أن النص، منذ لحظة تلقيه، يدخل في علاقة مع اللغة والثقافة والتاريخ، وبالتالي لا يمكن عزله عن شروط الفهم البشري. وقد عبّر عن ذلك في صيغة صارت لاحقاً مادة للاتهام: “إن النص، منذ لحظة نزوله، تحول من نص إلهي إلى نص إنساني”، أي أنه أصبح موضوعاً للفهم والتفسير، لا مجرد كيان معلق خارج الزمن.

هذه الفكرة، التي يمكن قراءتها ضمن تقاليد الهرمنيوطيقا الحديثة، فُهمت من قبل خصومه على أنها نزع للقداسة، بل وصلت إلى حد اتهامه بإنكار ألوهية النص. وهنا تبدأ القصة الحقيقية للكتاب، لا كنص فكري، بل كوثيقة اتهام في محاكمة فكرية غير مسبوقة في تاريخ الثقافة العربية الحديثة.

لقد جاء منع «نقد الخطاب الديني» في سياق متوتر كانت فيه العلاقة بين المثقف والمؤسسة الدينية تمرّ بمرحلة احتقان. لكن ما جعل قضية أبو زيد استثنائية هو اللجوء إلى مفهوم “الحسبة”، وهو مبدأ فقهي تقليدي يسمح لأي فرد برفع دعوى دفاعاً عن “المصلحة العامة” أو “الدين”. وبموجب هذا المبدأ، رُفعت دعوى قضائية ضد أبو زيد، ليس فقط لمنع كتابه، بل للحكم بردته، وهو ما قاد إلى الحكم بالتفريق بينه وبين زوجته، في مشهد بدا وكأنه مستخرج من كتب الفقه القديمة، لكنه وقع في قلب دولة حديثة.

هكذا، تحوّل النص إلى دليل إدانة، وتحول التأويل إلى جريمة، وصار الكاتب متهماً لأنه فكك آليات الخطاب، لا لأنه أساء إلى الدين. إن المفارقة المؤلمة في هذه القضية هي أن الكتاب الذي دعا إلى تحرير النص من سلطة التأويل الأحادي، انتهى إلى الوقوع ضحية قراءة أحادية مغلقة، لم تر فيه إلا تهديداً يجب القضاء عليه.

لم يكن أمام أبو زيد، بعد هذا الحكم، سوى المنفى. غادر مصر إلى هولندا، حاملاً معه جرحاً شخصياً وفكرياً، لكنه أيضاً حمل مشروعاً لم ينكسر. ففي منفاه، واصل الكتابة والتدريس، مؤكداً أن المعركة ليست بين الإيمان والكفر، كما صوّرها خصومه، بل بين الفهم المغلق والفهم المفتوح، بين سلطة النص وسلطة العقل.

إذا حاولنا قراءة «نقد الخطاب الديني» اليوم، بعد كل هذه السنوات، فإننا لا نقرأ فقط كتاباً في الفكر الديني، بل نقرأ وثيقة عن صراع عميق بين نمطين من الوعي: وعي يسعى إلى تثبيت المعنى، وآخر يسعى إلى تحريره. لقد أراد أبو زيد أن يعيد النص إلى حيويته، إلى تعدديته، إلى قابليته للتأويل، لكنه اصطدم بجدار صلب من السلطة الرمزية التي ترى في أي انفتاح تهديداً لوجودها.

ومع ذلك، فإن قوة هذا الكتاب لا تكمن فقط في أطروحاته، بل في قدرته على كشف آليات التفكير السائدة. فهو لا يهاجم الدين، بل يهاجم استخدامه كأداة للهيمنة، ولا ينفي القداسة، بل يعيد تعريفها خارج احتكار المؤسسة. إنه، في جوهره، دعوة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين النص والإنسان، بين الوحي والتاريخ، بين الإيمان والعقل.

ربما كان الخطأ الأكبر الذي ارتكبه أبو زيد، في نظر خصومه، هو أنه وضع العقل داخل المحراب، وجعل من التأويل فعلاً إنسانياً مشروعاً، لا حكراً على فئة بعينها. لكن هذا “الخطأ” نفسه هو ما يمنح كتابه قيمته اليوم، في زمن ما زال يعاني من نفس الإشكالات، وربما بنفس الحدة.

في النهاية، يمكن القول إن «نقد الخطاب الديني» لم يُمنع لأنه كتاب ضعيف، بل لأنه كتاب قوي، مسّ مناطق حساسة، وطرح أسئلة محرجة، ورفض أن يكتفي بالأجوبة الجاهزة. لقد أراد أن يفتح نافذة في جدار سميك، لكن الجدار لم يكن مستعداً للضوء.

وهكذا، يبقى هذا الكتاب شاهداً على مأساة العقل المؤوِّل في الثقافة العربية: عقلٌ حاول أن يفهم، فاتهموه بالكفر؛ حاول أن يقرأ، فحوّلوه إلى نصٍّ يُقرأ في محكمة؛ حاول أن يحرّر المعنى، فحُكم عليه بالمنفى.



0 التعليقات: