الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أبريل 06، 2026

من هندسة الحكاية إلى صحافة الضجيج : عبده حقي

 


لم تعد الحكاية مجرد فعل إنساني خالص، بل صارت نتاجًا معقّدًا لتقاطع الإنسان والآلة. إن ما يُعرف اليوم بـ"السرديات المُولَّدة خوارزميًا" لا يقتصر على كونه تجربة تقنية، بل يمثل تحوّلًا عميقًا في مفهوم الإبداع ذاته، حيث تصبح الخوارزمية شريكًا في الكتابة، لا مجرد أداة. ومن جهة أخرى، يظهر نمط جديد من الممارسة الصحفية، يُعرف بـ"الصحافة الصوتية الحضرية" أو "صحافة الضجيج"، التي تعيد تعريف العلاقة بين المدينة وساكنيها عبر التقاط الأصوات وتحويلها إلى مادة سردية ذات دلالة اجتماعية وسياسية.

إن فكرة توليد السرد عبر الخوارزميات تعود جذورها إلى تجارب مبكرة في الأدب الرقمي، حيث سعى باحثون في مجال الأدب التفاعلي، مثل نيك مونتفورت، إلى استكشاف إمكانيات الحاسوب في إنتاج نصوص ذات بنية سردية. وقد تطورت هذه التجارب مع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة النماذج اللغوية الكبيرة، التي تعتمد على تحليل كميات هائلة من البيانات النصية لتوليد نصوص جديدة تحاكي الأسلوب البشري. في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أعمال كاثرين هايلز، خاصة كتابها "كيف أصبحنا ما بعد بشريين"، حيث تطرح سؤالًا جوهريًا حول حدود الإنسان في عصر ما بعد الإنسانية، وتُبرز كيف أن النص لم يعد حكرًا على الذات البشرية.

غير أن هذا التحول لا يخلو من إشكاليات معرفية وأخلاقية. فالسرد الخوارزمي، رغم قدرته على إنتاج نصوص متماسكة، يفتقر أحيانًا إلى ما يمكن تسميته بـ"النية السردية"، أي ذلك البعد الإنساني الذي يمنح الحكاية معناها العميق. فالخوارزمية، مهما بلغت من تعقيد، تظل أسيرة البيانات التي تُدرَّب عليها، مما يطرح تساؤلات حول الأصالة، والملكية الفكرية، وحتى التحيزات الكامنة في تلك البيانات. وقد أشار نيك بوستروم في كتابه "الذكاء الفائق" إلى هذه الإشكالية، محذرًا من أن الأنظمة الذكية قد تعيد إنتاج التحيزات البشرية بشكل أكثر تعقيدًا وخفاءً.

في موازاة هذا التحول في السرد، تشهد الصحافة بدورها تحولات جذرية، خاصة مع ظهور ما يُعرف بـ"الصحافة الصوتية الحضرية". هذا النمط الجديد من الصحافة لا يكتفي بنقل الأخبار، بل يسعى إلى التقاط "صوت المدينة" بكل ما يحمله من دلالات. فالضجيج، الذي كان يُنظر إليه سابقًا كعنصر مزعج، يتحول هنا إلى مادة تحليلية، تكشف عن اختلالات بيئية، وتفاوتات اجتماعية، بل وحتى عن أنماط الحياة اليومية. في مدن كـنيويورك أو طوكيو، بدأت مشاريع صحفية تعتمد على تسجيل الأصوات في الشوارع، وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، لاستخلاص مؤشرات حول جودة الحياة، أو مستويات التوتر، أو حتى التغيرات في النشاط الاقتصادي.

وقد نشرت مجلة "Nature" دراسة حديثة تشير إلى أن التعرض المستمر للضجيج الحضري يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات صحية، مثل ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات النوم. كما أظهرت تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية أن التلوث الصوتي يُعد من أبرز التحديات البيئية في المدن الكبرى. في هذا السياق، تصبح الصحافة الصوتية أداة ليس فقط للتوثيق، بل أيضًا للمساءلة، حيث يمكن استخدام البيانات الصوتية للضغط على صناع القرار من أجل تحسين جودة الحياة في المدن.

لكن ما يثير الاهتمام حقًا هو التقاء هذين المسارين: السرد الخوارزمي والصحافة الصوتية. فحين تُستخدم الخوارزميات لتحليل البيانات الصوتية، ومن ثم توليد سرديات قائمة على تلك التحليلات، نكون أمام شكل جديد من الكتابة، يمكن تسميته بـ"السرد البياني الصوتي". هذا النوع من السرد لا يعتمد فقط على الكلمات، بل يدمج بين الصوت والنص، بين البيانات والتجربة، ليخلق خطابًا متعدد الأبعاد. وكأن المدينة، بكل ضجيجها، تتحول إلى نص حيّ، تُقرأ فيه الأصوات كما تُقرأ الكلمات.

في هذا الإطار، يمكن استحضار تجربة مشروع "The Listening Cities" الذي أُطلق في عدة مدن أوروبية، حيث تم جمع آلاف التسجيلات الصوتية من مختلف الأحياء، وتحليلها باستخدام خوارزميات التعلم الآلي، ثم تحويل النتائج إلى تقارير صحفية تفاعلية. هذه التجربة تُظهر كيف يمكن للتكنولوجيا أن تعيد تشكيل العلاقة بين الصحفي والواقع، بين الراوي والمروي عنه.

غير أن هذا التداخل بين الإنسان والآلة، بين الصوت والنص، يطرح تحديات جديدة على مستوى التلقي. فالقارئ، أو المستمع، لم يعد يتعامل مع نص تقليدي، بل مع تجربة متعددة الوسائط، تتطلب نوعًا جديدًا من القراءة، يمكن وصفها بـ"القراءة التفاعلية". وهنا، يصبح السؤال: هل نحن مستعدون، كجمهور، لهذا التحول؟ وهل تمتلك المؤسسات الإعلامية الأدوات اللازمة لمواكبته؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي إعادة النظر في مفهوم الإعلام ذاته. فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح منتجًا للمعنى، ومُشكِّلًا للواقع. وفي هذا السياق، تلعب الخوارزميات دورًا مزدوجًا: فهي من جهة أداة لتحليل البيانات، ومن جهة أخرى فاعل في إنتاج الخطاب. وهذا ما يجعل من الضروري تطوير إطار أخلاقي وتنظيمي يضمن استخدام هذه التقنيات بشكل مسؤول.

في النهاية، يمكن القول إننا نعيش لحظة مفصلية في تاريخ السرد والصحافة، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الإبداع، والبيانات مع الحكاية، والصوت مع المعنى. إنها لحظة تتطلب منا أن نعيد التفكير في أدواتنا، في مفاهيمنا، وفي علاقتنا بالعالم. فكما أن الشاعر كان يُصغي إلى صمت الليل ليكتب قصيدته، فإن الصحفي اليوم يُصغي إلى ضجيج المدينة ليكتب تقريره. وبين الصمت والضجيج، تتشكل حكايات جديدة، تُكتب بلغة الخوارزميات، وتُروى بأصوات البشر.


0 التعليقات: