في صمتٍ بعيدٍ عن ضجيجِ الخطاباتِ السياسيةِ التقليدية، تواصلُ بعضُ المجموعاتِ الاقتصاديةِ المغربيةِ إعادةَ رسمِ ملامحِ القوةِ الناعمةِ للمملكةِ داخلَ القارةِ الإفريقية. ومن بين هذه الأسماء التي بدأت تتحولُ تدريجياً إلى رقمٍ صعبٍ داخلَ قطاعِ الصناعاتِ الغذائية، تبرزُ مجموعةُ Africa Feed and Food بوصفها نموذجاً جديداً للرأسمالِ المغربيِّ الذي اختارَ أن يبني نفوذَهُ عبرَ الحقولِ والمصانعِ وسلاسلِ التوزيع، بدلَ الارتهانِ فقط لاقتصادِ الريعِ أو المضارباتِ الماليةِ العابرة.
هذه المجموعةُ التي تقفُ وراءَ العلامةِ التجاريةِ الشهيرةِ Kayna لم تعد مجردَ شركةٍ تُنتجُ العجائنَ والكسكسَ للمائدةِ المغربية، بل أصبحت مشروعاً اقتصادياً يحملُ في عمقهِ رهاناتٍ سياسيةً واستراتيجيةً تتجاوزُ حدودَ الاستهلاكِ الغذائيِّ اليومي. فحينَ تقررُ شركةٌ مغربيةٌ فتحَ رأسمالها أمامَ المستثمرين، ثم تبدأُ في التمهيدِ لدخولِ البورصة، فإن الأمرَ لا يتعلقُ فقط بتوسيعِ الأرباح، بل بإعلانِ انتقالٍ رمزيٍّ من اقتصادٍ محليٍّ تقليديٍّ إلى اقتصادٍ قادرٍ على مخاطبةِ الأسواقِ الماليةِ الكبرى بثقةٍ متزايدة.
وراءَ هذا الصعودِ الهادئِ تختبئُ تحولاتٌ عميقةٌ يعيشها المغربُ منذُ سنوات. فالدولةُ التي كانت تُعرفُ أساساً بقطاعاتِ الفوسفاطِ والسياحةِ والتحويلاتِ الماليةِ للجالية، بدأت تُراكمُ اليومَ خبرةً واضحةً في مجالِ الصناعاتِ الغذائيةِ الكبرى، مستفيدةً من استقرارها السياسيِّ النسبيِّ ومن موقعها الجغرافيِّ القريبِ من أوروبا وإفريقيا معاً. لقد فهمَ المغربُ مبكراً أن الأمنَ الغذائيَّ لم يعد ملفاً تقنياً فحسب، بل تحولَ إلى أحدِ أعمدةِ السيادةِ الوطنيةِ في عالمٍ تهزهُ الأزماتُ المناخيةُ والحروبُ وسلاسلُ الإمدادِ المتصدعة.
ولذلك، فإن نجاحَ مجموعةٍ مثل Africa Feed and Food لا يمكنُ قراءتُهُ بمعزلٍ عن الرؤيةِ المغربيةِ الأوسعِ التي تسعى إلى تحويلِ المملكةِ إلى منصةٍ صناعيةٍ وغذائيةٍ موجهةٍ نحوَ العمقِ الإفريقي. فالمغربُ لم يعد يكتفي بتصديرِ صورتهِ الثقافيةِ أو الدبلوماسيةِ، بل بات يصدرُ أيضاً علاماتهِ التجاريةَ ومنتجاتهِ الغذائيةَ وخبراتهِ الزراعيةَ إلى أسواقٍ إفريقيةٍ تتزايدُ فيها الحاجةُ إلى الأمنِ الغذائيِّ وإلى شراكاتٍ اقتصاديةٍ مستقرة.
الأكثرُ إثارةً في هذا المسارِ أن هذه الشركةَ لم تعتمدْ على الضجيجِ الإعلاميِّ أو الحملاتِ الدعائيةِ الضخمة، بل بنت حضورَها بالتدرجِ والتمددِ الصامتِ داخلَ السوق. وهذا الأسلوبُ يكشفُ جانباً مهماً من العقليةِ الاقتصاديةِ المغربيةِ الجديدة، تلك التي تراهنُ على التراكمِ البطيءِ بدلَ المغامراتِ السريعة. ففي زمنٍ تُغرقُ فيه بعضُ الاقتصاداتِ الإقليميةِ نفسها في الشعاراتِ السياسيةِ الحادة، يواصلُ المغربُ بناءَ شبكاتِ نفوذٍ اقتصاديةٍ أقلَّ صخباً وأكثرَ فعالية.
ومن اللافتِ أيضاً أن مشروعَ إدراجِ المجموعةِ في البورصةِ يحظى بدعمِ فاعلينَ كبارٍ داخلَ الساحةِ الماليةِ المغربية. وهذه النقطةُ ليست تقنيةً فقط، بل تحملُ دلالةً سياسيةً واضحةً. فحينَ تلتقي المؤسساتُ البنكيةُ والماليةُ الكبرى حولَ دعمِ فاعلٍ صناعيٍّ وطنيٍّ، فإن ذلك يعكسُ وجودَ إرادةٍ ضمنيةٍ لبناءِ أقطابٍ اقتصاديةٍ مغربيةٍ قادرةٍ على المنافسةِ الإقليميةِ والدولية.
غيرَ أن هذا الصعودَ يطرحُ في المقابلِ أسئلةً عميقةً حولَ طبيعةِ التنميةِ الاقتصاديةِ في المغرب. فهل تستطيعُ هذه النجاحاتُ الصناعيةُ أن تنعكسَ فعلاً على الطبقاتِ الاجتماعيةِ الهشة؟ وهل سيؤديُ تضخمُ الشركاتِ الكبرى إلى تعزيزِ العدالةِ الاجتماعيةِ أم إلى توسيعِ الفوارقِ بينَ المركزِ والهامش؟ لأن الرأسمالَ الوطنيَّ، مهما حملَ من شعاراتِ الحداثةِ والتحديث، يبقى مطالباً بإثباتِ قدرتهِ على خلقِ الثروةِ بشكلٍ متوازن، لا أن يتحولَ إلى نسخةٍ محليةٍ من الرأسماليةِ المتوحشةِ التي تُراكمُ الأرباحَ وتتركُ الأطرافَ غارقةً في التهميش.
ثم إن دخولَ عالمِ البورصةِ يحملُ دائماً جانباً مزدوجاً. فمن جهةٍ يمنحُ الشركاتِ قدرةً أكبرَ على التمويلِ والتوسع، لكنهُ يضعها أيضاً تحتَ ضغطِ المستثمرينَ ومنطقِ الأرباحِ السريعة. وهنا يبرزُ التحدي الحقيقي: كيف يمكنُ لمجموعةٍ غذائيةٍ مغربيةٍ أن تحافظَ على هويتها الإنتاجيةِ والاجتماعيةِ وهي تدخلُ فضاءَ المضارباتِ الماليةِ العالمية؟
ورغمَ هذه التساؤلات، يبقى صعودُ Africa Feed and Food مؤشراً على أن المغربَ بدأ يغيّرُ تدريجياً صورتهُ الاقتصاديةَ داخلَ إفريقيا. فالمملكةُ التي كانت تُختزلُ أحياناً في السياحةِ أو العقار، أصبحت تبني اليومَ نموذجاً أكثرَ تنوعاً يعتمدُ على التصنيعِ الغذائيِّ والزراعةِ الحديثةِ والخدماتِ اللوجستيةِ والطاقةِ المتجددة.
إنها معركةُ النفوذِ الجديدةِ في القرنِ الحادي والعشرين: من يمتلكُ الغذاءَ يمتلكُ جزءاً من القرارِ السياسيِّ والاقتصاديِّ أيضاً. ولهذا لا يبدو صعودُ هذه المجموعةِ مجردَ نجاحٍ تجاريٍّ عابر، بل علامةً على دخولِ المغربِ مرحلةً جديدةً يحاولُ فيها أن يحوّلَ اقتصادهُ إلى لغةِ قوةٍ ناعمةٍ قادرةٍ على التمددِ خارجَ الحدود، بصمتٍ يشبهُ كثيراً الطريقةَ التي تتحركُ بها الدولُ الواثقةُ من مستقبلها.








0 التعليقات:
إرسال تعليق