الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مايو 12، 2026

المنصاتُ الذكيةُ تُشعلُ سباقَ السيطرةِ على خيالِ البشرِ: عبده حقي

 


تتحركُ أدواتُ الذكاءِ الاصطناعيِّ اليومَ بسرعةِ برقٍ يتركُ خلفهُ ظلالًا من الدهشةِ والأسئلةِ معًا. ولم تَعُدِ المنصاتُ الرقميةُ مجردَ مختبراتٍ تقنيةٍ معزولةٍ داخلَ وادي السيليكون، بل تحولتْ إلى فضاءاتٍ ثقافيةٍ تعيدُ صياغةَ علاقةِ الإنسانِ بالمعرفةِ واللغةِ والصورةِ والخيال. وخلالَ الأسبوعِ الماضي، شهدَ العالمُ موجةً جديدةً من الإعلاناتِ والتحديثاتِ والإصداراتِ التي تؤكدُ أنَّ الذكاءَ الاصطناعيَّ يتقدمُ بخطواتٍ واسعةٍ نحوَ السيطرةِ على تفاصيلِ الحياةِ اليوميةِ، من الكتابةِ إلى البرمجةِ، ومن صناعةِ الصورِ إلى إنتاجِ الفيديوهاتِ والأبحاثِ والحواراتِ المعقدة. وبينَ الشركاتِ الأمريكيةِ العملاقةِ والمختبراتِ الأوروبيةِ والآسيويةِ الناشئة، صارَ العالمُ يشبهُ ورشةً ضخمةً تُعادُ داخلها كتابةُ المستقبلِ سطرًا بعدَ سطر.

في مقدمةِ هذهِ الأدواتِ الجديدةِ يبرزُ اسمُ OpenAI، الشركةُ الأمريكيةُ التي واصلتْ خلالَ الأيامِ الأخيرةِ توسيعَ نفوذها داخلَ عالمِ الذكاءِ الاصطناعيِّ عبرَ إطلاقِ مبادراتٍ جديدةٍ مرتبطةٍ بالأمنِ السيبرانيِّ والبرمجةِ الذكية. فقد كشفتْ الشركةُ عن مشروعِ “Daybreak” أي “الفجر”، وهو نظامٌ ذكيٌّ قادرٌ على اكتشافِ الثغراتِ الأمنيةِ داخلَ البرمجياتِ وتحليلِ التهديداتِ الرقميةِ اعتمادًا على وكلاءِ الذكاءِ الاصطناعيِّ. وترتكزُ هذهِ المنصةُ على أدواتِ “Codex” أي “كوديكس” الخاصةِ بالبرمجةِ الذكيةِ، إلى جانبِ نماذجَ جديدةٍ من “GPT-5.5” أي “جي بي تي خمسة فاصلة خمسة”، التي باتتْ أكثرَ قدرةً على التفكيرِ والتحليلِ الأمنيِّ المعقد.

كما شهدَ الأسبوعُ الماضي تصاعدَ الحديثِ حولَ أداةِ “Codex” أي “كوديكس”، التي تحولتْ من مجردِ مساعدٍ برمجيٍّ إلى منصةٍ متكاملةٍ لإدارةِ المشاريعِ البرمجيةِ وإنجازِ المهامِّ التقنيةِ المعقدة. وتؤكدُ التقاريرُ أنَّ ملايينَ المطورينَ باتوا يعتمدونَ عليها في كتابةِ الأكوادِ وإصلاحِ الأخطاءِ وتطويرِ التطبيقاتِ بوتيرةٍ غيرِ مسبوقة.

وفي الجهةِ المقابلة، واصلتْ شركةُ Anthropic الأمريكيةُ تعزيزَ حضورِ منصتِها “Claude” أي “كلود”، التي أصبحتْ واحدةً من أكثرِ أدواتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ استخدامًا داخلَ الشركاتِ والمؤسساتِ الماليةِ. فقد أطلقتْ الشركةُ خلالَ الأسبوعِ الماضي مجموعةً جديدةً من “الوكلاءِ الماليين” القادرينَ على إعدادِ التقاريرِ الاستثماريةِ وتحليلِ البياناتِ الماليةِ وكتابةِ المذكراتِ الائتمانيةِ بصورةٍ شبهِ مستقلة.

ومن بينِ التحديثاتِ اللافتةِ أيضًا إعلانُ الشركةِ عن “Claude Opus 4.7” أي “كلود أوبوس أربعة فاصلة سبعة”، وهو نموذجٌ ذكيٌّ يتمتعُ بقدراتٍ عاليةٍ على إنجازِ المهامِّ الطويلةِ والمعقدةِ، إلى جانبِ ميزةِ “Infinite Chats” أي “المحادثاتِ اللانهائية”، التي تسمحُ بإجراءِ حواراتٍ طويلةٍ من دونِ فقدانِ السياقِ أو الذاكرةِ النصية.

أما شركةُ Google فقد واصلتْ بدورها توسيعَ نفوذِ منصةِ “Gemini” أي “جيميني”، خصوصًا بعدَ النجاحِ الكبيرِ الذي حققتهُ أداةُ “Nano Banana” أي “الموزةُ النانوية”. وتتيحُ هذهِ الأداةُ للمستخدمينَ تعديلَ الصورِ ودمجَها وتغييرَ تفاصيلِها عبرَ أوامرَ لغويةٍ بسيطة، معَ قدرةٍ عاليةٍ على الحفاظِ على ملامحِ الأشخاصِ والخلفياتِ داخلَ الصورِ المعدلة. وقد أصبحتْ الأداةُ حديثَ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ بسببِ قدرتها على تحويلِ الصورِ الشخصيةِ إلى مجسماتٍ ثلاثيةِ الأبعادِ تشبهُ الدمى الرقمية.

وفي مجالِ صناعةِ الصورِ الرقميةِ، استمرتْ أدواتُ Adobe في توسيعِ حضورِ منصةِ “Firefly” أي “اليراعة”، وهي أداةٌ متخصصةٌ في إنتاجِ الصورِ والرسوماتِ عبرَ الأوامرِ النصيةِ. وقد ركزتِ الشركةُ هذا الأسبوعِ على تطويرِ خاصيةِ “الاستخدامِ التجاريِّ الآمن”، عبرَ تدريبِ النموذجِ على موادَّ مرخصةٍ قانونيًا، في محاولةٍ لتجاوزِ الأزماتِ المرتبطةِ بحقوقِ الملكيةِ الفكرية.

كما حافظتْ أداةُ “Midjourney” أي “منتصفُ الرحلة” على مكانتِها داخلَ عالمِ الفنِّ الرقميِّ، خصوصًا بعدَ إصدارِ النسخةِ “V8.1” التي أصبحتْ أسرعَ وأكثرَ قدرةً على إنتاجِ الصورِ السينمائيةِ المعقدةِ بجودةٍ عالية. وتشيرُ التقاريرُ إلى أنَّ النسخةَ الجديدةَ تقلصُ زمنَ التوليدِ وتسمحُ بتعديلِ الصورِ بطريقةٍ أكثرَ دقةً وانسيابية.

وفي عالمِ الفيديوهاتِ الذكيةِ، تتواصلُ المنافسةُ بينَ أدواتِ “Synthesia” أي “سينثيزيا” و“Runway” أي “المدرج”، اللتينِ أصبحتا تستعملانِ على نطاقٍ واسعٍ في صناعةِ الفيديوهاتِ التعليميةِ والإعلاناتِ الرقميةِ والأفلامِ القصيرةِ. وتسمحُ هذهِ الأدواتُ بتحويلِ النصوصِ إلى شخصياتٍ ناطقةٍ واقعيةٍ، قادرةٍ على مخاطبةِ الجمهورِ بلغاتٍ متعددةٍ وبملامحَ بشريةٍ دقيقة.

كما برزتْ هذا الأسبوعِ منصاتٌ جديدةٌ متخصصةٌ في بناءِ التطبيقاتِ بواسطةِ اللغةِ الطبيعيةِ مثلَ “Lovable” أي “القابلُ للحب” و“Bubble” أي “الفقاعة”، حيثُ صارَ بالإمكانِ تصميمُ تطبيقاتٍ كاملةٍ دونَ الحاجةِ إلى كتابةِ الأكوادِ التقليدية. ويعكسُ هذا التحولُ انتقالَ الذكاءِ الاصطناعيِّ من مجردِ مساعدٍ تقنيٍّ إلى شريكٍ فعليٍّ في عمليةِ الابتكارِ والإنتاج.

إنَّ ما يكشفُهُ هذا الزخمُ التقنيُّ المتسارعُ ليسَ فقط سباقًا اقتصاديًا بينَ الشركاتِ العملاقة، بل تحوّلًا عميقًا في طبيعةِ الوعيِ الإنسانيِّ ذاته. فاللغةُ التي كانتْ يومًا حكرًا على الشعراءِ والروائيينَ والفلاسفةِ، أصبحتْ اليومَ مادةً خامًا للخوارزمياتِ. والصورةُ التي كانتْ نتاجَ يدِ الرسامِ أو عينِ المصورِ، صارتْ تولدُ داخلَ مراكزِ البياناتِ الباردةِ بسرعةِ الضوء. وحتى البرمجةُ، تلكَ اللغةُ الصلبةُ التي كانتْ تحتاجُ سنواتٍ من التعلم، بدأتْ تتحولُ إلى حوارٍ لغويٍّ بسيطٍ بينَ الإنسانِ والآلة.

وربما كانَ أخطرُ ما في هذهِ الأدواتِ الجديدةِ أنها لا تكتفي بتسهيلِ الحياةِ اليومية، بل تعيدُ تشكيلَ مفهومِ الإبداعِ نفسِه. فالمؤلفُ والرسامُ والمبرمجُ والموسيقيُّ يقفونَ اليومَ أمامَ مرآةٍ جديدةٍ تعكسُ وجوهًا هجينةً بينَ الإنسانِ والخوارزمية. وبينَ هذا الانبهارِ الكونيِّ والقلقِ الثقافيِّ العميق، يبدو أنَّ العالمَ يدخلُ مرحلةً جديدةً من التاريخ، مرحلةً تُكتبُ فصولُها بالذكاءِ الاصطناعيِّ أكثرَ مما تُكتبُ بالحبرِ التقليدي.


0 التعليقات: