الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يونيو 28، 2026

أفضل 200 رواية عبر التاريخ اليوم مع رِوَايَةِ «قَلْبُ الظَّلَامِ»، لِلرِّوَائِيِّ جُوزِيفْ كُونْرَد: إعداد عبده حقي


أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِنَا الْأَدَبِيِّ، الَّذِي نُحَلِّقُ فِيهِ مَعَ أَعْظَمِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي تَرَكَتْ أَثَرًا عَمِيقًا فِي تَارِيخِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ. مَوْعِدُنَا الْيَوْمَ مَعَ رِوَايَةِ «قَلْبُ الظَّلَامِ»، لِلرِّوَائِيِّ الْبُولَنْدِيِّ الْبِرِيطَانِيِّ جُوزِيفْ كُونْرَاد، الَّتِي نُشِرَتْ أَوَّلَ مَرَّةٍ عَامَ ١٨٩٩، وَتُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ النُّصُوصِ الَّتِي أَعَادَتْ طَرْحَ أَسْئِلَةِ الْإِنْسَانِ وَالسُّلْطَةِ وَالِاسْتِعْمَارِ وَحُدُودِ الْأَخْلَاقِ.

تَقْدِيمُ الرِّوَايَةِ وَكَاتِبِهَا

وُلِدَ جُوزِيفْ كُونْرَاد سَنَةَ ١٨٥٧ فِي أُسْرَةٍ بُولَنْدِيَّةٍ، ثُمَّ عَمِلَ بَحَّارًا لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّغَ لِلْكِتَابَةِ بِاللُّغَةِ الْإِنْجِلِيزِيَّةِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لُغَتَهُ الْأُمَّ. وَقَدِ اسْتَمَدَّ كَثِيرًا مِنْ أَعْمَالِهِ مِنْ تَجَارِبِهِ الْبَحْرِيَّةِ وَرِحْلَاتِهِ إِلَى الْقَارَّةِ الْإِفْرِيقِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا رِحْلَتُهُ إِلَى دَوْلَةِ الْكُونْغُو الْحُرَّةِ، الَّتِي تَرَكَتْ فِي نَفْسِهِ صَدْمَةً عَمِيقَةً انْعَكَسَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ

لَيْسَتْ «قَلْبُ الظَّلَامِ» رِوَايَةَ مُغَامَرَةٍ بِالْمَعْنَى التَّقْلِيدِيِّ، بَلْ هِيَ رِحْلَةٌ نَفْسِيَّةٌ وَفَلْسَفِيَّةٌ إِلَى أَعْمَاقِ الْإِنْسَانِ، حَيْثُ يَتَقَاطَعُ الْخَوْفُ وَالطَّمَعُ وَالْوَحْشِيَّةُ وَالْحَقِيقَةُ.

مُلَخَّصٌ سَرْدِيٌّ جَذَّابٌ

تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ عَلَى مَتْنِ سَفِينَةٍ رَاسِيَةٍ فِي نَهْرِ التَّايْمِزِ بِلَنْدَنَ، حَيْثُ يَبْدَأُ الْبَحَّارُ تْشَارْلِزْ مَارْلُو بِرِوَايَةِ تَجْرِبَتِهِ الْقَدِيمَةِ فِي وَسَطِ الْقَارَّةِ الْإِفْرِيقِيَّةِ. وَيُكَلَّفُ بِقِيَادَةِ بَاخِرَةٍ نَهْرِيَّةٍ لِلْوُصُولِ إِلَى رَجُلٍ غَامِضٍ يُدْعَى كُورْتْز، وَهُوَ وَكِيلٌ لِتِجَارَةِ الْعَاجِ، اشْتُهِرَ بِكَفَاءَتِهِ وَغُمُوضِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

كُلَّمَا تَوَغَّلَ مَارْلُو فِي النَّهْرِ، بَدَا لَهُ أَنَّ الطَّبِيعَةَ تَبْتَلِعُ الْحَضَارَةَ، وَأَنَّ الْقِيَمَ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْإِنْسَانُ الْأُورُوبِّيُّ تَذُوبُ أَمَامَ جَشَعِ الِاسْتِغْلَالِ. وَعِنْدَمَا يَلْتَقِي بِكُورْتْز، يَجِدُهُ رَجُلًا عَبْقَرِيًّا انْهَارَ أَخْلَاقِيًّا، وَتَحَوَّلَ إِلَى سُلْطَةٍ مُطْلَقَةٍ تَحْكُمُهَا الرَّغَبَةُ وَالْجُنُونُ.

وَفِي اللَّحَظَاتِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاةِ كُورْتْز، يَنْطِقُ بِالْعِبَارَةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ مِنْ أَشْهَرِ الْجُمَلِ فِي الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ: «الرُّعْبُ! الرُّعْبُ، وَهِيَ كَلِمَاتٌ تَرَكَهَا كُونْرَادُ مُفْتُوحَةً عَلَى تَأْوِيلَاتٍ لَا تَنْتَهِي.

الْخَلْفِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ وَالْفِكْرِيَّةُ

كَتَبَ كُونْرَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، وَهُوَ الْعَصْرُ الَّذِي بَلَغَ فِيهِ الِاسْتِعْمَارُ الْأُورُوبِّيُّ ذُرْوَتَهُ. وَكَانَ الْكُونْغُو يَعِيشُ تَحْتَ نِظَامٍ اسْتِعْمَارِيٍّ قَاسٍ، رُفِعَتْ فِيهِ شِعَارَاتُ التَّحْضِيرِ، بَيْنَمَا كَانَ الْوَاقِعُ يَعُجُّ بِالِاسْتِغْلَالِ وَالْعُنْفِ وَنَهْبِ الثَّرَوَاتِ.

وَلَمْ يَكْتَفِ كُونْرَادُ بِنَقْدِ الِاسْتِعْمَارِ، بَلْ ذَهَبَ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، مُتَسَائِلًا: هَلِ الْوَحْشِيَّةُ خَارِجَنَا أَمْ فِي دَاخِلِنَا؟ وَهَلْ يَكْفِي أَنْ تَزُولَ قُشُورُ الْحَضَارَةِ لِيَنْكَشِفَ الْوَجْهُ الْحَقِيقِيُّ لِلْإِنْسَانِ؟

لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ رِوَايَةً خَالِدَةً؟

اِكْتَسَبَتْ «قَلْبُ الظَّلَامِ» مَكَانَتَهَا الْخَالِدَةَ لِأَسْبَابٍ عِدَّةٍ.

أَوَّلُهَا أَنَّهَا جَمَعَتْ بَيْنَ السَّرْدِ الْمُشَوِّقِ وَالتَّأَمُّلِ الْفَلْسَفِيِّ، فَكَانَتْ رِحْلَةً فِي الْجُغْرَافِيَا وَفِي النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

وَثَانِيهَا أَنَّهَا كَشَفَتْ زَيْفَ الْخِطَابِ الِاسْتِعْمَارِيِّ، وَأَظْهَرَتْ أَنَّ الْعُنْفَ قَدْ يَخْتَبِئُ وَرَاءَ أَرْقَى الشِّعَارَاتِ.

وَثَالِثُهَا أَنَّ أُسْلُوبَهَا الرَّمْزِيَّ وَبِنَاءَهَا السَّرْدِيَّ الْمُعَقَّدَ جَعَلَاهَا مَادَّةً خِصْبَةً لِلدِّرَاسَاتِ الْأَدَبِيَّةِ وَالنَّقْدِيَّةِ عَلَى امْتِدَادِ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ.

أَثَرُهَا فِي الْأَدَبِ وَالسِّينِمَا وَالْفَلْسَفَةِ

لَمْ تَبْقَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ حَبِيسَةَ الصَّفَحَاتِ، بَلْ أَصْبَحَتْ مَرْجِعًا لِأَجْيَالٍ مِنَ الْكُتَّابِ وَالنُّقَّادِ.

وَفِي السِّينِمَا، اسْتُلْهِمَتْ أَحْدَاثُهَا بِشَكْلٍ فَنِّيٍّ فِي فِيلْمِ «الْقِيَامَةُ الْآنَ»، الَّذِي نَقَلَ الرِّحْلَةَ مِنْ أَدْغَالِ الْكُونْغُو إِلَى أَجْوَاءِ حَرْبِ فِيتْنَامَ، مَعَ الِاحْتِفَاظِ بِالْبِنْيَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِلرِّوَايَةِ.

أَمَّا فِي الْفَلْسَفَةِ، فَقَدْ أَثَارَتِ الرِّوَايَةُ نِقَاشًا وَاسِعًا حَوْلَ طَبِيعَةِ الشَّرِّ، وَمَعْنَى الْحَضَارَةِ، وَالْحُدُودِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ الْمُتَحَضِّرِ وَالْإِنْسَانِ الْغَرِيزِيِّ، كَمَا دَخَلَتْ فِي حِوَارٍ نَقْدِيٍّ مَعَ دِرَاسَاتِ مَا بَعْدَ الِاسْتِعْمَارِ، الَّتِي أَعَادَتْ قِرَاءَتَهَا مِنْ زَوَايَا مُخْتَلِفَةٍ.

اِقْتِبَاسٌ شَهِيرٌ

مِنْ أَكْثَرِ الْعِبَارَاتِ شُهْرَةً فِي الرِّوَايَةِ قَوْلُ كُورْتْزَ عِنْدَ احْتِضَارِهِ:

«الرُّعْبُ! الرُّعْبُ

وَهِيَ جُمْلَةٌ قَصِيرَةٌ، لَكِنَّهَا تُلَخِّصُ، فِي نَظَرِ كَثِيرٍ مِنَ النُّقَّادِ، مُوَاجَهَةَ الْإِنْسَانِ لِحَقِيقَةِ نَفْسِهِ وَمَا ارْتَكَبَهُ مِنْ أَفْعَالٍ.

رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ

كُلَّمَا عُدْتُ إِلَى «قَلْبِ الظَّلَامِ» أَشْعُرُ أَنَّنِي لَا أَقْرَأُ رِوَايَةً عَنْ إِفْرِيقِيَا، بَلْ أَقْرَأُ رِوَايَةً عَنِ الْإِنْسَانِ أَيْنَمَا كَانَ. فَالظَّلَامُ الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ كُونْرَادُ لَيْسَ مَكَانًا جُغْرَافِيًّا، بَلْ مَسَاحَةٌ غَامِضَةٌ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، قَدْ تَظْهَرُ كُلَّمَا غَابَ الرَّقِيبُ الْأَخْلَاقِيُّ وَتَضَخَّمَتِ الرَّغْبَةُ فِي السُّلْطَةِ.

وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَخْلُو مِنْ جَدَلٍ نَقْدِيٍّ مُهِمٍّ، خَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِطَرِيقَةِ تَصْوِيرِهَا لِلْقَارَّةِ الْإِفْرِيقِيَّةِ وَسُكَّانِهَا، وَهُوَ جَدَلٌ أَثْرَى قِرَاءَتَهَا وَجَعَلَهَا نَصًّا مُسْتَمِرَّ الْحَيَاةِ وَالتَّأْوِيلِ، لَا نَصًّا مُغْلَقًا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.

إِلَى هُنَا نَصِلُ إِلَى خِتَامِ حَلْقَتِنَا عَنْ رِوَايَةِ «قَلْبُ الظَّلَامِ»، إِحْدَى الرِّوَايَاتِ الَّتِي أَعَادَتْ تَعْرِيفَ الرِّحْلَةِ الْأَدَبِيَّةِ، فَجَعَلَتْهَا رِحْلَةً نَحْوَ الْوَعْيِ وَالضَّمِيرِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ رِحْلَةً فِي الْأَنْهَارِ وَالْغَابَاتِ.

فِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ، سَنَفْتَحُ مَعًا كِتَابًا آخَرَ مِنْ كُتُبِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِنَكْتَشِفَ رِحْلَةً جَدِيدَةً، وَأَسْئِلَةً جَدِيدَةً، وَأَصْوَاتًا لَا يَخْفُتُ صَدَاهَا مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ.

إِلَى اللِّقَاءِ، وَدُمْتُمْ أَوْفِيَاءَ لِلْكِتَابِ وَالْقِرَاءَةِ.

مع تحيات الكاتب المغربي عبدو حقي

 


 

0 التعليقات: