الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، يونيو 22، 2026

الصحافة العربية بين سطوة المنصات الرقمية وتحديات الجمهور الجديد: إعداد عبده حقي


أتابع منذ سنوات التحولات المتلاحقة التي يعرفها عالم الصحافة والإعلام، وأشعر أن الأسبوع الماضي وحده كان كافيا لتقديم صورة مكثفة عن حجم التغيرات التي تعصف بهذه المهنة التي كانت لعقود طويلة حارسة للخبر ومصنعا للرأي العام. فالمشهد الإعلامي في المغرب والعالم العربي لم يعد مجرد صراع بين الصحافة الورقية والصحافة الإلكترونية، بل أصبح فضاء معقدا تتداخل فيه الخوارزميات مع غرف التحرير، وتتقاطع فيه منصات التواصل الاجتماعي مع المؤسسات الإعلامية التقليدية.

في المغرب، استأثر النقاش حول أوضاع الصحافة الوطنية باهتمام واسع، خاصة بعد تداول تقارير مهنية تناولت واقع حرية الصحافة والتحديات التي يواجهها الصحفيون داخل المؤسسات الإعلامية. وقد بدا واضحا أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بتمويل الصحف أو انخفاض المبيعات، بل تشمل أيضا أسئلة أعمق تتعلق بالاستقلالية المهنية ومستقبل التنظيم الذاتي للمهنة. فالصحافة المغربية تجد نفسها اليوم أمام ضرورة إعادة بناء علاقتها مع الجمهور ومع الفضاء الرقمي الذي أصبح يفرض قواعده الخاصة.

ومن جهة أخرى، كشفت المؤشرات الجديدة المرتبطة بتقرير الأخبار الرقمية لسنة 2026 أن شريحة مهمة من المغاربة أصبحت أقل اهتماما بمتابعة الأخبار بشكل يومي. وقد أثار هذا المعطى نقاشا واسعا داخل الأوساط الإعلامية، لأن عزوف الجمهور عن الأخبار لا يعكس فقط أزمة ثقة، بل يشير أيضا إلى إرهاق نفسي ومعرفي ناتج عن التدفق الهائل للمعلومات والأحداث المتسارعة.

أما على المستوى العربي، فقد شكل تقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية الحدث الأبرز خلال الأسبوع الماضي. وأظهرت نتائجه أن الفيديو أصبح الوسيلة الأكثر استهلاكا للأخبار، متجاوزا الأشكال التقليدية للقراءة. هذا التحول لا يعني نهاية الصحافة المكتوبة، لكنه يفرض عليها تطوير أدواتها وأساليبها السردية حتى تحافظ على قدرتها التنافسية في بيئة إعلامية شديدة التغير.

وفي السياق ذاته، أكدت دراسة دولية حديثة أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت المصدر الأول للأخبار بالنسبة لملايين المستخدمين. وأرى أن هذا التحول يحمل وجهين متناقضين؛ فمن جهة يمنح الجمهور سرعة الوصول إلى المعلومات، ومن جهة أخرى يفتح الباب أمام الأخبار الزائفة والمحتويات المضللة التي تنتشر بسرعة تفوق قدرة المؤسسات الإعلامية على التحقق منها.

كما لفت انتباهي خلال الأسبوع الماضي الاهتمام المتزايد بقضايا الذكاء الاصطناعي داخل المؤتمرات الإعلامية العربية. فالمؤسسات الإعلامية الكبرى بدأت تدرك أن مستقبل المهنة سيكون مرتبطا بدرجة كبيرة بالقدرة على توظيف التقنيات الجديدة في إنتاج المحتوى وتحليل البيانات وتخصيص الأخبار بحسب اهتمامات الجمهور.

ومن بين المؤشرات الإيجابية أيضا استمرار برامج التدريب والزمالات الإعلامية الموجهة للصحفيين الشباب. فهذه المبادرات لا تكتفي بتطوير المهارات التقنية، بل تساهم في خلق جيل جديد من الإعلاميين القادرين على العمل داخل بيئة رقمية متحركة ومتعددة المنصات.

إنني أعتقد أن الصحافة العربية تقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي. فالمؤسسات التي ستنجح في المستقبل ليست بالضرورة الأكبر حجما أو الأقدم تاريخا، بل تلك التي تستطيع فهم الجمهور الجديد والتفاعل مع عاداته الرقمية المتغيرة. لقد أصبح القارئ متلقيا ومنتجا للمحتوى في الوقت نفسه، وأصبحت المنافسة تدور حول الثقة والسرعة والابتكار معا.

وبين الصحافة المكتوبة والإعلام الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من تاريخ الإعلام العربي. مرحلة تتطلب قدرا كبيرا من المرونة والابتكار، لكنها تمنح أيضا فرصا غير مسبوقة لإعادة تعريف دور الصحفي ووظيفة المؤسسة الإعلامية في مجتمع يعيش على إيقاع التحولات المتسارعة.


0 التعليقات: