الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يونيو 28، 2026

حصيلة الأيام الماضية في السينما: شإعداد عبده حقي


تبدو السينما في الأيام الماضية كأنها تفتح نوافذها دفعة واحدة على خرائط متعددة: من الرباط التي استقبلت مهرجانا سينمائيا روسيا لأول مرة، إلى روتردام حيث استعاد الفيلم العربي حضوره داخل أوروبا، ومن إفريقيا التي واصلت تثبيت صورتها في المهرجانات الدولية، إلى باريس وبروكسل وبانكوك حيث تحولت السينما الأوروبية إلى لغة دبلوماسية ناعمة، وصولا إلى الولايات المتحدة حيث تكشف شباك التذاكر عن انتعاش واضح بعد سنوات الارتباك.

في المغرب، برز الحدث السينمائي الأوضح مع افتتاح أول مهرجان للفيلم الروسي في الرباط، في الفترة ما بين 18 و21 يونيو 2026، داخل فضاء الخزانة السينمائية المغربية، حيث قُدم برنامج يضم سبعة أفلام روائية حديثة لمخرجين روس معاصرين. لم يكن الخبر مجرد نشاط ثقافي عابر، بل علامة على رغبة المغرب في توسيع جسور التبادل السينمائي خارج الدائرة التقليدية الأوروبية والفرنكفونية. افتتاح المهرجان بفيلم «الطيار» لييغور كونشالوفسكي منح الحدث نبرة رمزية، لأن السينما هنا لا تأتي فقط بوصفها فرجة، بل بوصفها سفارة تخاطب الجمهور عبر الصورة والذاكرة واللغة البصرية. كما حضر المغرب قبل ذلك في سوق مهرجان كان السينمائي، من 12 إلى 20 مايو 2026، عبر المركز السينمائي المغربي، في منصة مهنية مخصصة للتشبيك والشراكات والإنتاج المشترك، وهو حضور يؤكد أن السينما المغربية لا تكتفي بالعرض داخل الحدود، بل تبحث عن موقعها في اقتصاد الصورة العالمي.

أما في العالم العربي، فقد بدا مهرجان روتردام للفيلم العربي، في دورته السادسة والعشرين ما بين 10 و14 يونيو 2026، واحدا من أبرز العناوين. فقد اختار المهرجان أن يركز على سوريا، لا بوصفها جرحا سياسيا فحسب، بل بوصفها ذاكرة سينمائية وهجرة وأسئلة هوية، مقدما أفلاما ولقاءات ومشاريع من العالم العربي. القيمة الكبرى لهذا الموعد أنه ينقل الفيلم العربي إلى قاعة أوروبية لا تستهلكه كغرابة شرقية، بل تنصت إليه كخطاب إنساني متعدد النبرات. وفي السياق نفسه، يلفت خبر الفيلم اللبناني «عالم حزين وجميل» للمخرج سيريل عريس الانتباه، لأنه خرج من ظل الحرب اللبنانية الأخيرة، وصنع من الحب والهجرة والقلق العائلي مادة سينمائية قادرة على العبور إلى جمهور عالمي. هنا تتبدى السينما العربية وهي تكتب يومياتها تحت الضغط، لكنها لا تستسلم لبلاغة الضحية، بل تصنع جمالا هشا من الركام.

في إفريقيا، تواصلت الدينامية التي بدأت مع مهرجان كان 2026، حيث أشارت تقارير متخصصة إلى أن الحضور الإفريقي بلغ لحظة لافتة، مع دخول رواندا وجمهورية إفريقيا الوسطى إلى الاختيار الرسمي لأول مرة، وهو أمر لا ينبغي قراءته كرقم بروتوكولي، بل كتحول في مركز الإصغاء الدولي. السينما الإفريقية لم تعد مجرد سينما موضوعات اجتماعية أو فلكلور بصري، بل صارت فضاء تجريبيا في السرد والصورة والإنتاج المشترك. كما أن مبادرة «الأبواب المفتوحة» في مهرجان لوكارنو أعطت أولوية سنة 2026 لمشاريع إفريقية، بما يكشف عن رغبة أوروبية متزايدة في مرافقة المواهب الصاعدة من القارة. وفي كينيا، جاء مهرجان «وايلدسكرين» للأفلام الوثائقية حول الطبيعة والحياة البرية، يومي 11 و12 يونيو، ليذكر بأن إفريقيا ليست فقط موضوعا للدراما السياسية، بل أيضا خزانا بصريا عظيما للبيئة والحياة والذاكرة الطبيعية.

في الاتحاد الأوروبي، بدت باريس وكأنها تعيد اختراع علاقتها بالسينما في الهواء الطلق. فقد أعلنت المدينة عن عروض صيفية مفتوحة في فضاءات متعددة، من دار سك العملة إلى حديقة لا فيليت وساحة اللوفر، خلال يوليوز وغشت 2026، مع أفلام عائلية وكلاسيكية وتجريبية بأسعار رمزية أو مجانية. هذا الخبر، في ظاهره، برنامج صيفي للفرجة، لكنه في العمق إعلان عن عودة السينما إلى الفضاء العمومي، لا كسلعة محصورة في القاعات التجارية، بل كطقس مدني يجمع الناس حول الشاشة. وفي بروكسل، نظم مهرجان «فيلم أوروبا» من 23 إلى 25 يونيو 2026، محتفيا بأفلام الطلبة والمخرجين الناشئين من مدارس أوروبية مختلفة، بينما واصلت برامج الاتحاد الأوروبي السينمائية حضورها خارج القارة، ومنها مهرجان الفيلم الأوروبي في تايلاند، الذي قدم 21 فيلما من 19 دولة أوروبية. هكذا تتحول السينما الأوروبية إلى شبكة ثقافية عابرة للحدود، تجمع بين التكوين والدبلوماسية والترويج للصورة الأوروبية.

وفي أمريكا، جاءت الأخبار من جهتين: جهة المهرجانات وجهة شباك التذاكر. فقد أعلن مهرجان تريبيكا 2026، في نيويورك، أسماء الفائزين في دورته الخامسة والعشرين، وكان من أبرزها فيلم «حمى القطن» وفيلم «لابرادور: تشريح الصمت» وفيلم «سجلات زمن السجن». أهمية تريبيكا أنه لا يكتفي بتمجيد النجومية الهوليودية، بل يفتح الباب أمام أفلام مستقلة ووثائقية وتجارب سردية تلتقط نبض المدن والهامش والذاكرة. وعلى مستوى السوق، سجلت هوليوود انتعاشا قويا؛ إذ أشارت تقارير شباك التذاكر إلى أن سنة 2026 تعرف أفضل أداء منذ ما قبل الجائحة، مع صعود أفلام كبرى مثل «سوبر ماريو غالاكسي» و«مايكل» و«مشروع هيل ماري» و«حكاية لعبة 5». غير أن اللافت ليس فقط قوة الأرقام، بل تغير ذوق الجمهور: نجاح أفلام الرعب والكوميديا والأعمال الأصلية المتوسطة الميزانية يوحي بأن المتفرج الأمريكي بدأ يتعب من الضخامة الفارغة، ويبحث عن متعة أكثر مباشرة وجرأة.

خلاصة هذه الحصيلة أن السينما العالمية في الأيام الماضية لم تكن تتحرك في اتجاه واحد. في المغرب، تتسع الدبلوماسية الثقافية عبر الشاشة. في العالم العربي، يتقدم الفيلم بوصفه شهادة على الوجع والهجرة والذاكرة. في إفريقيا، تكسر الصورة القديمة وتدخل القارة إلى منصات الاختيار العالمي بثقة أكبر. في أوروبا، تعود السينما إلى الساحات والجامعات والمبادرات العمومية. وفي أمريكا، يفاوض شباك التذاكر جمهوره من جديد، بين الامتيازات الكبرى والأفلام التي تنبت من الهامش. لذلك تبدو السينما اليوم مثل مرآة واسعة: كل جهة ترى فيها صورتها، لكنها لا تملك أن تغلقها على حدودها.


0 التعليقات: