الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يونيو 21، 2026

حصيلة الأسبوع التشكيلي بين المغرب والعالم العربي وأوروبا بقلم: عبده حقي


تقدّم الفنون التشكيلية نفسها، في كل أسبوع، بوصفها دفتر العالم السري؛ فهي لا تكتفي بتعليق اللوحات على الجدران، بل تعلق أسئلة الإنسان فوق صمت المدن والمتاحف والقاعات. وفي حصيلة الأسبوع الماضي، بدا المشهد التشكيلي موزعا بين المغرب والعالم العربي والاتحاد الأوروبي، حيث تداخل الرسم مع الذاكرة، والتصميم مع الفضاء العام، والمعارض مع أسئلة الهوية والجسد والمنفى والبيئة.

في المغرب، برزت أخبار الملتقى الدولي الأول للفنون التشكيلية بالداخلة، الذي امتد بين 11 و14 يونيو 2026، بوصفه حدثا لافتا يعيد طرح سؤال الجهة في السياسة الثقافية الوطنية. فالداخلة لم تعد فضاء سياحيا فقط، بل صارت قابلة لأن تتحول إلى محطة تشكيلية جنوبية، تفتح أفقا جديدا أمام الفنانين والمبدعين خارج المركز التقليدي الممتد بين الرباط والدار البيضاء ومراكش.

وتكمن أهمية هذا الملتقى في كونه يربط الفن بالمجال، ويجعل اللوحة قريبة من البحر والصحراء والذاكرة الحسانية. إن الفن التشكيلي المغربي، في حاجة دائمة إلى الخروج من القاعات المغلقة نحو الجهات، لأن الجمال لا يولد في العاصمة وحدها، بل في الأطراف أيضا، حيث تتكلم الألوان بلهجات بصرية مختلفة.

كما تواصل في المغرب الاهتمام بالمسابقة الوطنية للفنون البصرية لسنة 2026، وهي مبادرة تستهدف الفنانين الشباب في مجالات النحت، والتركيب، والوسائط المختلطة، والأعمال الصوتية والبصرية. هذه المسابقة لا تقدم فقط جوائز مالية، بل تمنح الاعتراف، وهو أهم ما يحتاجه الفنان في بداياته: أن يشعر بأن تجربته لا تضيع في الهامش، وأن المؤسسة الثقافية تراه وتفتح له الباب.

ومن زاوية تحليلية، تكشف هذه المبادرة عن وعي متزايد بأن الفن التشكيلي لم يعد لوحة زيتية فقط، بل صار مختبرا مفتوحا للتجريب. فالفنان المغربي الشاب اليوم يشتغل بالصورة، والصوت، والمادة، والفراغ، والجسد، والتكنولوجيا، وهذا يعني أن مفهوم «الفن التشكيلي» نفسه يتسع ويتحول، ويغادر التعريف المدرسي القديم نحو أفق بصري معاصر.

في العالم العربي، لفت الانتباه افتتاح رواق فني جديد في أبوظبي بمعرض افتراضي حمل عنوان «Held/Unheld»، وقد جمع أربعة فنانين دوليين حول الذاكرة والعاطفة والتحول. أهمية هذا الخبر أنه يكشف صعود صيغة جديدة من الأروقة الفنية، لم تعد مرتبطة بالضرورة بمكان ثابت، بل تتحرك بين الفضاء الرقمي والحضور الواقعي، وبين السوق والتجريب.

هذا النوع من المبادرات ينسجم مع تحولات الفن العربي المعاصر، حيث أصبح الفنان يبحث عن جمهور عابر للحدود. فالرواق الافتراضي لا يلغي القاعة، لكنه يوسعها، ويجعل العمل التشكيلي قابلا للوصول إلى متلقين من مدن وبلدان متعددة. إنها ديمقراطية بصرية جديدة، لكنها تطرح أيضا سؤالا صعبا: هل تكفي الشاشة لنقل رعشة اللون وملمس المادة؟

وفي السياق العربي كذلك، تناولت الصحافة الفنية معارض عربية تستحق السفر إليها هذا الصيف، من باريس إلى هونغ كونغ، مع حضور لافت لفنانين من سوريا ولبنان وقطر وفلسطين ضمن فضاءات دولية كبرى. وهذا الحضور يؤكد أن الفن العربي لم يعد ينتظر دعوة موسمية، بل صار جزءا من الدورة العالمية للمعارض والبيناليات.

وتحمل هذه المشاركات بعدا رمزيا قويا، لأن الفنان العربي يدخل اليوم إلى المعرض الدولي محملا بتجارب الحرب والمنفى والذاكرة والهجرة، لكنه لا يختزل نفسه في الجرح فقط. إنه يحوّل الألم إلى لغة بصرية، ويجعل الهوية العربية سؤالا جماليا مفتوحا، لا شعارا مغلقا ولا بطاقة تعريف جامدة.

أما في الاتحاد الأوروبي، فقد شكّل الخبر المتعلق بمعرض فريدا كالو المقبل في «تيت مودرن» بلندن حدثا بارزا، بعدما حقق رقما قياسيا في التذاكر المسبقة. وهذا يؤكد أن المعارض الكبرى لم تمت، كما قيل بعد الجائحة، بل عادت بقوة حين يكون الفنان قادرا على ملامسة الوجدان العام. فريدا كالو ليست مجرد رسامة، بل أيقونة للألم والتمرد والجسد والهوية.

إن الإقبال الكثيف على معرض فريدا كالو يكشف حاجة الجمهور الأوروبي إلى تجربة جماعية داخل المتحف. فالعصر الرقمي لم يقتل الرغبة في الوقوف أمام اللوحة الأصلية؛ بل ربما زادها اشتعالا. الناس يريدون أن يروا الأثر لا نسخته، وأن يقفوا أمام الندبة اللونية كما لو كانوا يقرأون سيرة إنسانية لا تنتهي.

وفي الدنمارك، قدمت فعالية «ثلاثة أيام من التصميم» في كوبنهاغن أكثر من 400 عارض، مؤكدة أن الحدود بين الفن والتصميم والعمارة باتت أقل صرامة. لم يعد التصميم مجرد صناعة نافعة، بل أصبح فنا بصريا يوميا، يدخل البيت والمدينة والذوق العام.

هذه الفعالية الأوروبية تعكس اتجاها جديدا يربط الجمال بالاستدامة والابتكار. فالمعرض المعاصر لم يعد يكتفي بتقديم عمل جميل، بل يسأل عن علاقته بالبيئة، وبالمادة، وبطريقة عيش الإنسان داخل الفضاء. وهنا يصبح التصميم وجها آخر من وجوه الفنون التشكيلية.

وفي بروكسيل، واصل مهرجان الباوهاوس الأوروبي الجديد حضوره من خلال المزج بين الفن، والتصميم، والاستدامة، والنقاشات حول العيش المشترك. وهذا النوع من التظاهرات يمنح الفن وظيفة مدنية واضحة: أن يساعدنا على تخيل مدن أكثر عدلا وجمالا وإنسانية.

خلاصة الأسبوع أن الفنون التشكيلية تتحرك اليوم بين ثلاث خرائط: خريطة مغربية تسعى إلى توسيع المجال الثقافي، وخريطة عربية تبحث عن حضور عالمي بصوتها الخاص، وخريطة أوروبية تربط الفن بالمتحف والتصميم والاستدامة. وبين هذه الخرائط جميعا، تبقى اللوحة، والمنحوتة، والتركيب، والمعرض، أشكالا مختلفة لسؤال واحد: كيف نمنح العالم وجها أقل قسوة وأكثر جمالا؟


0 التعليقات: