الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يوليو 02، 2026

أفضل 200 رواية عبر التاريخ اليوم مع الأُودِيسَّةُ للشاعِرِ الْإِغْرِيقِيِّ هُومِيرُوس: إعداد عبده حقي


أَهْلًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِنَا الْأَدَبِيِّ. أَدْعُوكُمْ الْيَوْمَ إِلَى رِحْلَةٍ تُعَدُّ مِنْ أَعْظَمِ الرِّحَلَاتِ الَّتِي خَلَّدَهَا الْخَيَالُ الْإِنْسَانِيُّ، رِحْلَةٍ لَا تَقِيسُ الْمَسَافَاتِ بِالْأَمْيَالِ، بَلْ بِمَا يَتَغَيَّرُ فِي الرُّوحِ وَالذَّاكِرَةِ. إِنَّهَا الأُودِيسَّةُ، أَوْ الرِّحْلَةُ الطَّوِيلَةُ، الْمَلْحَمَةُ الْخَالِدَةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى الشَّاعِرِ الْإِغْرِيقِيِّ هُومِيرُوس، الَّتِي دَوَّنَتْ أَشْهَرَ عَوْدَةٍ فِي تَارِيخِ الْأَدَبِ بَعْدَ انْتِهَاءِ حَرْبِ طُرُوَادَةَ. وَقَدْ ظَلَّتْ هَذِهِ الْمَلْحَمَةُ، الَّتِي يُرَجَّحُ أَنَّهَا صِيغَتْ فِي الْقَرْنِ الثَّامِنِ قَبْلَ الْمِيلَادِ، مَرْجِعًا لِلْأَدَبِ الْمَلْحَمِيِّ وَلِفِكْرِ الرِّحْلَةِ وَالْعَوْدَةِ وَاخْتِبَارِ الْإِنْسَانِ أَمَامَ الْمَجْهُولِ.

تَبْدَأُ الْحِكَايَةُ بَعْدَ انْتِهَاءِ حَرْبِ طُرُوَادَةَ، وَيَجِدُ الْبَطَلُ أُودِيسِيُوس نَفْسَهُ أَمَامَ رِحْلَةٍ تَحَوَّلَتْ إِلَى مَلْحَمَةٍ اسْتَمَرَّتْ عَشْرَ سَنَوَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إِلَى جَزِيرَتِهِ إِيثَاكَا، حَيْثُ تَنْتَظِرُهُ زَوْجَتُهُ بِينِيلُوبِي وَابْنُهُ تِيلِيمَاخُوس. وَلَكِنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَ مُسْتَقِيمًا، فَهُوَ يَمُرُّ بِجَزِيرَةِ آكِلِي اللُّوتُسِ، وَيُوَاجِهُ الْعِمْلَاقَ ذَا الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ بُولِيفِيمُوس، وَيُصَادِفُ السَّاحِرَةَ سِيرْسِي، وَيَسْمَعُ أَغَانِي الْحُورِيَّاتِ الْبَحْرِيَّاتِ، وَيَنْجُو مِنَ الْوُحُوشِ وَالْعَوَاصِفِ وَغَضَبِ الْآلِهَةِ، حَتَّى يُدْرِكَ أَنَّ أَصْعَبَ مَا فِي الرِّحْلَةِ لَيْسَ الْبَحْرَ، بَلِ الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ. وَعِنْدَمَا يَعُودُ أَخِيرًا، يَجِدُ بَيْتَهُ مُحَاصَرًا بِالطَّامِعِينَ، فَيَسْتَعِيدُ مَمْلَكَتَهُ وَكَرَامَتَهُ بَعْدَ اخْتِبَارٍ طَوِيلٍ.

وَلَمْ تَكُنِ الأُودِيسَّةُ مُجَرَّدَ قِصَّةِ مُغَامَرَةٍ، بَلْ وُلِدَتْ فِي بِيئَةٍ كَانَتِ الْحِكَايَاتُ تُنْشَدُ شَفَوِيًّا قَبْلَ أَنْ تُدَوَّنَ. وَكَانَتِ الْمَلْحَمَةُ تَعْكِسُ رُؤْيَةَ الْإِغْرِيقِ الْقُدَمَاءِ لِلْبُطُولَةِ، وَالضِّيَافَةِ، وَالْوَفَاءِ، وَعَلَاقَةِ الْإِنْسَانِ بِالْقَدَرِ وَالْآلِهَةِ. وَيُعَدُّ مَفْهُومُ الْعَوْدَةِ إِلَى الْوَطَنِ مِنْ أَعْمَقِ الْمَفَاهِيمِ الَّتِي بَنَتْ عَلَيْهَا الْمَلْحَمَةُ رُؤْيَتَهَا الْفِكْرِيَّةَ، فَالْإِنْسَانُ لَا يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ فَقَطْ، بَلْ عَنْ هُوِيَّتِهِ وَذَاتِهِ. وَتُظْهِرُ الدِّرَاسَاتُ الْحَدِيثَةُ أَنَّ الْمَلْحَمَةَ احْتَفَظَتْ بِآثَارِ تَقْلِيدٍ شَفَوِيٍّ طَوِيلٍ قَبْلَ أَنْ تَتَّخِذَ صُورَتَهَا الْمَعْرُوفَةَ.

وَلَعَلَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَطْرَحُهُ كُلُّ قَارِئٍ هُوَ: لِمَاذَا بَقِيَتْ الأُودِيسَّةُ حَيَّةً بَعْدَ مَا يَقْرُبُ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ؟ الْجَوَابُ يَكْمُنُ فِي أَنَّهَا لَا تَحْكِي عَنْ بَطَلٍ أَسْطُورِيٍّ فَقَطْ، بَلْ عَنِ الْإِنْسَانِ فِي سَعْيِهِ الدَّائِمِ إِلَى الْبَيْتِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالْمَعْنَى. وَفِي كُلِّ زَمَانٍ يَقْرَأُ النَّاسُ أُودِيسِيُوس بِطَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ؛ فَمَرَّةً يَرَوْنَهُ مُغَامِرًا، وَمَرَّةً مُفَكِّرًا، وَمَرَّةً إِنْسَانًا يُخْطِئُ وَيَتَعَلَّمُ. لِهَذَا أَصْبَحَتِ الْمَلْحَمَةُ مِنَ الْأُسُسِ الَّتِي قَامَ عَلَيْهَا الْأَدَبُ الْعَالَمِيُّ.

وَإِذَا تَأَمَّلْنَا أَثَرَهَا فِي الْأَدَبِ وَالسِّينِمَا وَالْفَلْسَفَةِ، وَجَدْنَا أَنَّ آثَارَهَا تَمْتَدُّ إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْأَعْمَالِ. فَقَدِ اسْتَلْهَمَهَا الْكَاتِبُ الْإِيرْلَنْدِيُّ جِيمْسُ جُويْس فِي رِوَايَتِهِ يُولِيسِيسُ، وَأَعَادَ كُتَّابٌ وَفَنَّانُونَ كَثِيرُونَ تَشْكِيلَ رِحْلَةِ أُودِيسِيُوس فِي الرِّوَايَةِ وَالشِّعْرِ وَالْمَسْرَحِ وَالسِّينِمَا، بَلْ وَفِي الرُّسُومِ الْمُتَحَرِّكَةِ وَالثَّقَافَةِ الشَّعْبِيَّةِ. أَمَّا فِي الْفَلْسَفَةِ، فَقَدْ أَصْبَحَتِ الرِّحْلَةُ رَمْزًا لِبَحْثِ الْإِنْسَانِ عَنِ الْحَقِيقَةِ وَاخْتِبَارِ الْهُوِيَّةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَمَعْنَى الْوُجُودِ.

وَمِنْ أَشْهَرِ مَا افْتُتِحَتْ بِهِ الْمَلْحَمَةُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ الَّتِي تُرْجِمَتْ إِلَى عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ اللُّغَاتِ:

«أَنْشِدِينِي، يَا رَبَّةَ الشِّعْرِ، خَبَرَ الرَّجُلِ ذِي الْحِيَلِ الْكَثِيرَةِ، الَّذِي تَاهَ طَوِيلًا بَعْدَ أَنْ دَمَّرَ مَدِينَةَ طُرُوَادَةَ الْمُقَدَّسَةَ.

وَأَنَا، وَأَنَا أُغْلِقُ صَفَحَاتِ هَذِهِ الْمَلْحَمَةِ، لَا أَشْعُرُ أَنَّنِي أَنْهَيْتُ قِرَاءَةَ كِتَابٍ، بَلْ أَشْعُرُ أَنَّنِي عُدْتُ مِنْ سَفَرٍ طَوِيلٍ. لَقَدْ عَلَّمَتْنِي الأُودِيسَّةُ أَنَّ أَعْظَمَ الْاِنْتِصَارَاتِ لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي نُحَقِّقُهَا عَلَى الْخُصُومِ، بَلِ الَّتِي نُحَقِّقُهَا عَلَى ضَعْفِنَا وَغُرُورِنَا وَخَوْفِنَا. وَأُؤْمِنُ أَنَّ كُلَّ قَارِئٍ سَيَجِدُ نَفْسَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ؛ فَمِنَّا مَنْ يُصَارِعُ الْعَوَاصِفَ، وَمِنَّا مَنْ يُقَاوِمُ الْإِغْرَاءَ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَظِرُ الْعَوْدَةَ إِلَى بَيْتٍ قَدْ يَكُونُ مَكَانًا، أَوْ ذِكْرَى، أَوْ حُلْمًا.

أَشْكُرُكُمْ عَلَى مُرَافَقَتِي فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْأَدَبِيَّةِ. وَفِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ، سَنَنْتَقِلُ إِلَى عَمَلٍ خَالِدٍ آخَرَ، لِنَكْتَشِفَ مَعًا كَيْفَ يَسْتَطِيعُ الْأَدَبُ الْعَالَمِيُّ أَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسَانَ يُعِيدُ اكْتِشَافَ نَفْسِهِ فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ جَدِيدَةٍ.



0 التعليقات: