تكشف التطورات الحقوقية المسجلة خلال الأيام القليلة الماضية في شمال إفريقيا والعالم العربي وأوروبا أن منظومة حقوق الإنسان تواجه ضغوطًا متزايدة، لا تقتصر على الأنظمة التي تُوصف عادة بالتسلط، بل تمتد أيضًا إلى دول أوروبية بنت جزءًا مهمًا من صورتها الدولية على احترام القانون وحقوق اللاجئين والمهاجرين. وبينما تختلف طبيعة الأزمات من منطقة إلى أخرى، فإن خيطًا مشتركًا يربط بينها جميعًا، ويتمثل في اتساع الفجوة بين الالتزامات القانونية المعلنة والممارسات التي تنفذها السلطات على الأرض.
في شمال إفريقيا، تبرز قضية المهاجرين واللاجئين بوصفها إحدى أكثر القضايا استعجالًا. فقد نشرت منظمة العفو الدولية في 2 يوليو/تموز 2026 تقريرًا جديدًا حول تونس، تحدثت فيه عن وقوع اللاجئين وطالبي اللجوء في دائرة متواصلة من الانتهاكات، بعد أن أقدمت السلطات التونسية، بحسب المنظمة، على تفكيك عدد من آليات الحماية الأساسية وتعليق إجراءات الوصول إلى اللجوء. وترى المنظمة أن غياب المسارات القانونية الواضحة جعل المهاجرين أكثر عرضة للاعتقال والترحيل والإبعاد الجماعي وسوء المعاملة.
ولا تبدو هذه الانتهاكات مجرد نتائج عرضية لسياسة أمنية مرتبكة، بل تعكس تحولًا أعمق في طريقة التعامل مع ملف الهجرة، حيث يُختزل المهاجر في كثير من الأحيان في كونه تهديدًا أمنيًا أو عبئًا اجتماعيًا، بدل النظر إليه باعتباره إنسانًا يتمتع بحقوق لا تسقط بسبب وضعه القانوني. وتزداد خطورة الوضع عندما تجري عمليات التوقيف على أساس المظهر أو لون البشرة، أو عندما تتم عمليات الطرد من دون دراسة فردية لحالة كل مهاجر أو طالب لجوء.
وفي ليبيا، وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين، وربطت بين هذا الخطاب وبين اتساع الاعتقالات التعسفية وعمليات الإبعاد القسري. وأشارت المنظمة إلى أن المهاجرين يُعتقلون أحيانًا تحت تهديد السلاح، وينقلون إلى مراكز احتجاز من دون إجراءات قضائية سليمة، ثم يُطرد بعضهم عبر الحدود الجنوبية ويُتركون في مناطق صحراوية خطرة من دون ماء أو غذاء أو رعاية طبية.
وتتضاعف خطورة هذه الممارسات في ظل تعدد السلطات ومراكز النفوذ المسلحة داخل ليبيا، وغياب نظام قضائي قادر على مراقبة مراكز الاحتجاز بصورة مستقلة. وتشير التقارير الحقوقية إلى تعرض مهاجرين وطالبي لجوء، بمن فيهم أطفال، للتعذيب والعمل القسري والاعتداءات الجنسية داخل منشآت تخضع لجماعات مسلحة أو شبكات اتجار بالبشر.
كما اتهمت منظمة العفو الدولية الاتحاد الأوروبي بالمساهمة غير المباشرة في هذه الانتهاكات بسبب استمرار دعمه المالي واللوجستي لسياسات ضبط الهجرة في ليبيا، ولا سيما التعاون مع أجهزة خفر السواحل الليبية. وتقول المنظمة إن اعتراض قوارب المهاجرين وإعادتهم إلى ليبيا يجعل الدول الأوروبية شريكة في نظام يعرض هؤلاء الأشخاص للاعتقال وسوء المعاملة. في المقابل، يدافع الاتحاد الأوروبي عن تعاونه باعتباره وسيلة لمكافحة شبكات التهريب وإنقاذ الأرواح في البحر. غير أن هذا التبرير يظل موضع جدل ما دامت عمليات الإنقاذ تنتهي بإعادة الأشخاص إلى بيئة تتوافر فيها مخاطر موثقة للتعذيب والاستغلال.
وفي مصر، كشفت «هيومن رايتس ووتش» في تقرير نشر في 7 يوليو/تموز 2026 عن تعرض لاجئين وطالبي لجوء للاعتقال والاحتجاز والترحيل بسبب انتهاء وثائق الإقامة، رغم أن تأخر تجديد هذه الوثائق يعود في حالات كثيرة إلى البطء الإداري وصعوبة الحصول على المواعيد. وأجرت المنظمة مقابلات مع لاجئين من السودان وجنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا، وخلصت إلى أن بعضهم تعرض للتوقيف حتى بعد إظهار وثائق تسجيل صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وتحدث التقرير أيضًا عن نقاط تفتيش في أحياء تقيم فيها أعداد كبيرة من اللاجئين وعن توقيف أشخاص سود خلال تنقلهم لقضاء حاجاتهم اليومية. وإذا ثبت أن التوقيف يتم استنادًا إلى لون البشرة أو الأصل الإفريقي، فإن الأمر لا يمثل فقط مخالفة لضمانات الحرية الشخصية، بل يدخل كذلك في نطاق التنميط العنصري المحظور بموجب القواعد الدولية.
أما في تونس، فلا تقتصر المخاوف على وضع المهاجرين. فقد حذرت «هيومن رايتس ووتش» في 8 يوليو/تموز من استمرار التضييق على حرية التعبير والصحافة واستقلال القضاء والمجتمع المدني. واستشهدت المنظمة بالحكم الصادر على سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، بالسجن لمدة خمسة وعشرين عامًا وغرامة مالية كبيرة. وتعتبر منظمات حقوقية أن هذه القضية تشكل مؤشرًا على تراجع مساحة العمل المدني والحقوقي وعلى توظيف القضاء في صراعات سياسية.
غير أن التقييم الحقوقي لمثل هذه القضايا يقتضي عدم الاكتفاء برواية واحدة؛ فالسلطات عادة ما تؤكد أن المتابعات تستند إلى جرائم محددة وأن المتهمين يتمتعون بضمانات التقاضي. لكن معيار استقلال القضاء لا يقاس فقط بوجود محاكمة شكلية، بل بعلنية الإجراءات وحق الدفاع ووضوح التهم وتناسب العقوبة وعدم استخدام القانون لمعاقبة المعارضة أو النشاط الحقوقي.
وفي بقية العالم العربي، تتخذ الانتهاكات شكلًا أشد عنفًا بسبب النزاعات المسلحة. ففي السودان حذرت «هيومن رايتس ووتش» من خطر وقوع فظائع وشيكة في مدينة الأبيض ومحيطها بولاية شمال كردفان. وأشارت إلى تزايد هجمات الطائرات المسيّرة المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، بما في ذلك هجمات أصابت مستشفيات وأسواقًا ومدارس ومناطق سكنية، وأوقعت ضحايا مدنيين وأدت إلى تعطيل الخدمات الأساسية.
تكمن خطورة الوضع السوداني في أن الانتهاكات لم تعد حوادث متفرقة، بل صارت جزءًا من نمط حرب تتداخل فيه الهجمات العشوائية ضد المدنيين مع الحصار والنزوح وتدمير المنشآت الطبية. كما أن تدفق الأسلحة والدعم الخارجي إلى أطراف النزاع يطيل عمر الحرب ويضعف فرص المساءلة. وقد دعا حقوقيون إلى توسيع حظر الأسلحة والعقوبات الموجهة ضد المسؤولين عن الجرائم الخطيرة، وإلى حفظ الأدلة تمهيدًا لمحاكمات مستقبلية.
وفي لبنان، دعت منظمة العفو الدولية إلى التحقيق في ثلاث غارات إسرائيلية وقعت في جنوب البلاد خلال مارس/آذار 2026، وأدت، وفق نتائج تحقيقها، إلى مقتل أربعة وعشرين مدنيًا، نصفهم من الأطفال. واعتبرت المنظمة أن طبيعة الأهداف والخسائر المدنية تثير شبهات بارتكاب جرائم حرب وتستوجب تحقيقًا مستقلًا وشفافًا.
ولا تقتصر الإشكالية على حدوث الهجمات، بل تشمل أيضًا حق الضحايا في الوصول إلى العدالة. فقد حذرت منظمة العفو الدولية وخمس منظمات حقوقية وإعلامية أخرى من أن بعض بنود الاتفاق الإطاري المبرم بين لبنان وإسرائيل في 26 يونيو/حزيران 2026 قد تعرقل محاولات الضحايا اللجوء إلى الهيئات القضائية الدولية للمطالبة بالإنصاف. وإذا تحولت الاتفاقات السياسية إلى وسيلة لتحصين المسؤولين عن الانتهاكات من المتابعة، فإنها قد تحقق تهدئة مؤقتة على حساب العدالة طويلة الأمد.
وفي الأراضي الفلسطينية، سلطت منظمة العفو الدولية الضوء على قضية الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان للأطفال، مطالبة بالإفراج عنه، وواصفة احتجازه بالتعسفي. وقالت المنظمة إن المعلومات التي نقلها أحد محاميه تشير إلى تعرضه للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، وإلى وجود خطر جدي يهدد حياته داخل السجن الإسرائيلي.
وتجسد هذه القضية المخاوف المتزايدة بشأن حماية العاملين في المجال الطبي أثناء النزاعات، إذ يتمتع الأطباء والمستشفيات بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني. ويقتضي أي اعتقال لطبيب تقديم أسباب واضحة وتمكينه من الدفاع عن نفسه وتوفير الرعاية الصحية له ومنع التعذيب والمعاملة المهينة، بصرف النظر عن طبيعة الاتهامات الموجهة إليه.
وفي المملكة العربية السعودية، وثقت منظمة العفو الدولية أوضاع عاملات منازل فلبينيات تعرضن لساعات عمل طويلة والاستغلال والإهانة، إضافة إلى اعتداءات جنسية في بعض الحالات. وذكرت المنظمة أن العقود التي وقعتها العاملات قبل السفر فقدت قيمتها عمليًا بعد دخولهن منازل أصحاب العمل، حيث أصبحت سلطتهم شبه مطلقة، مع ضعف القدرة على تقديم شكاوى أو مغادرة مكان العمل.
تؤكد هذه الحالات أن مشكلة العمالة المنزلية لا يمكن اختزالها في تجاوزات فردية يرتكبها بعض أصحاب العمل، بل ترتبط بنظام يسمح بوجود علاقة شديدة الاختلال بين العامل وصاحب العمل. ويصبح الإصلاح الحقيقي رهينًا بإتاحة حرية تغيير العمل، وتجريم حجز جوازات السفر والأجور، وتوفير ملاجئ وآليات شكاوى مستقلة، ومحاسبة المعتدين بصرف النظر عن مكانتهم الاجتماعية.
أما في أوروبا، فتتصدر حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء قائمة المخاوف. فقد أقر البرلمان الأوروبي في يونيو/حزيران 2026 تعديلًا في سياسة الهجرة يتيح للدول إنشاء مراكز احتجاز أو «مراكز إعادة» خارج أراضي الاتحاد، ويوسع إجراءات الترحيل. ويرى مؤيدو الإصلاح أنه ضروري لتسريع إعادة المهاجرين الذين رُفضت طلباتهم، بينما تعتبر منظمات حقوقية أنه يضعف الضمانات القانونية ويعرض المهاجرين للاحتجاز في دول قد لا تحترم حقوقهم.
وفي 6 يوليو/تموز 2026، أدانت منظمة العفو الدولية هتافات أطلقها أعضاء في البرلمان الأوروبي تطالب بـ«إعادتهم إلى بلدانهم» عقب التصويت على تشريع الترحيل. ورأت المنظمة أن هذه الشعارات تكشف مدى تغلغل الخطاب العنصري والمعادي للمهاجرين داخل المؤسسات السياسية الأوروبية، محذرة من أن التشريعات المتشددة لا تنفصل عن البيئة السياسية التي تصور اللاجئين باعتبارهم مصدرًا للخطر.
وفي ألمانيا، أثارت عملية ترحيل الناشط الطاجيكي المعارض أسد الله بوبويف وابنه إلى طاجيكستان مخاوف حقوقية. فقد رحلتهما السلطات الألمانية في 20 يونيو/حزيران، رغم تحذيرات من احتمال اعتقال الأب وتعريضه لسوء المعاملة. ووفق «هيومن رايتس ووتش»، اعتُقل بوبويف فور وصوله إلى دوشنبه.
تمثل هذه القضية اختبارًا مباشرًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو المبدأ الذي يحظر ترحيل أي شخص إلى بلد يواجه فيه خطرًا حقيقيًا بالتعذيب أو الاضطهاد أو المعاملة اللاإنسانية. ولا يكفي أن تتذرع الدولة بأن طلب اللجوء رُفض إداريًا، بل يجب أن تجري تقييمًا فرديًا وجديًا للمخاطر قبل تنفيذ الترحيل.
وفي السويد، انتقدت «هيومن رايتس ووتش» قرارات ترحيل شابات نشأن في السويد إلى دول قد يتعرضن فيها للتمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي. وأشارت المنظمة إلى أن بعض المرحلات يواجهن خطر العيش بمفردهن في مجتمعات تفرض قيودًا قانونية واجتماعية واقتصادية شديدة على استقلال المرأة. كما أن ترحيلهن قد يؤدي إلى فصلهن عن أسرهن وشبكاتهن الاجتماعية التي عشن معها معظم حياتهن.
وفي بريطانيا، قضت المحكمة العليا في لندن بأن السلطات تصرفت بصورة غير قانونية عندما حرمت طالبي لجوء من الحق في الطعن في القرارات التي ترفض اعتبارهم ضحايا للاتجار بالبشر قبل ترحيلهم. وتكشف هذه القضية أهمية الرقابة القضائية في وقف القرارات الإدارية التي قد تنتهك الحق في الدفاع والحق في الحماية من الاستغلال والاتجار.
كما كشف تقرير برلماني فرنسي عن أوجه قصور خطيرة في إدارة أوضاع المهاجرين على الساحل الشمالي لفرنسا والحدود مع بريطانيا. وانتقد التقرير سياسة التفكيك اليومي لمخيمات المهاجرين، وضعف المساعدات الإنسانية، واستخدام وسائل اعتراض بحرية قد تعرض المهاجرين للخطر. وأوصى بتوفير ظروف استقبال أكثر إنسانية، وتعزيز الرقابة البرلمانية، وفتح مسارات قانونية للم شمل العائلات.
وتثير السجون الأوروبية بدورها مخاوف متزايدة. ففي إيطاليا، أعاد النقاش حول أوضاع السجون المكتظة إلى الواجهة النقص في الموظفين، وبطء الإجراءات القضائية، وضعف برامج إعادة التأهيل. وقد أكد سياسيون وحقوقيون أن توسيع الطاقة الاستيعابية وحده لن يعالج الأزمة، ما لم يرافقه إصلاح للعقوبات البديلة وتحسين للرعاية الصحية داخل السجون.
إن استعراض هذه الحالات يكشف أن حقوق الإنسان تتعرض اليوم لثلاثة تهديدات مترابطة. أولها تحويل الهجرة من قضية إنسانية وقانونية إلى معركة أمنية تُعلق فيها الضمانات الأساسية. وثانيها اتساع استخدام القضاء والاعتقال والتشريعات لتقييد المعارضين والمجتمع المدني. وثالثها استمرار الإفلات من العقاب في مناطق النزاع، حيث يُقتل المدنيون وتُدمر المستشفيات والأسواق من دون تحقيقات فعالة أو محاكمات حقيقية.
ولا يمكن مواجهة هذه التهديدات بالبيانات الدبلوماسية وحدها. المطلوب هو تمكين القضاء المستقل، والسماح للمنظمات الحقوقية بالعمل من دون تضييق، وضمان وصول المحامين والمراقبين إلى مراكز الاحتجاز، والتحقيق في جميع ادعاءات التعذيب والاختفاء والقتل غير المشروع. كما يجب على الدول الأوروبية والعربية وشمال الإفريقية أن تتوقف عن إبرام اتفاقات الهجرة أو الأمن التي تنقل الانتهاكات إلى دول أخرى ثم تتنصل من المسؤولية عنها.
فالإنسان الذي يُترك في الصحراء بعد طرده، والعاملة التي تُحجز داخل منزل، والطفل الذي يُقتل في غارة جوية، والمعارض الذي يُرحل إلى بلد يخشى فيه الاعتقال، جميعهم يختبرون القيمة الحقيقية للمواثيق الدولية. وما لم تتحول تلك المواثيق إلى حماية ملموسة ومساءلة قضائية عادلة، ستظل حقوق الإنسان شعارًا رفيعًا تحاصره الوقائع القاسية على الأرض.







0 التعليقات:
إرسال تعليق