الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يوليو 09، 2026

مقتطفات من كتابٍ لم يُكتب بعد: "دفتر المنافي": عبده حقي


1. حقيبة لا تعود

في الليلة التي غادرتُ فيها مدينتي، لم أحمل معي سوى حقيبة صغيرة، لكنها كانت أثقل من جميع الجبال التي عرفتها الخرائط. كانت مليئة بأصوات لم أستطع طيَّها، وبرائحة الخبز الذي خرج من فرن أمي قبل الفجر، وبمفتاح بابٍ يعرف أنه لن يفتح البيت نفسه مرة أخرى. ومنذ ذلك اليوم، صرتُ كلما وصلتُ إلى مدينة جديدة، أضع الحقيبة قرب السرير، ثم أفتحها ببطء، فلا أجد فيها إلا مزيدًا من الغياب.

2. المنفى يبدّل أسماء الأشياء

في المنفى، لا تموت اللغة دفعةً واحدة، بل تتساقط منها الكلمات مثل أوراق شجرةٍ أصابها بردٌ طويل. يصبح الشارع مجرد طريق، والبيت مجرد عنوان، والجار مجرد شخص يمر من أمام النافذة. وحدها الذاكرة ترفض الترجمة؛ تظل تنطق باسم الأزقة الأولى، وتعرف عدد درجات السلم المؤدي إلى السطح، وتحفظ اتجاه الريح التي كانت تأتي من الحقول البعيدة.

3. بريد بلا عنوان

أكتب إلى أصدقائي الذين بقوا هناك، لكن الرسائل لا تسألني عن الطوابع، بل عن المسافة بين القلب والقلب. أكتب كثيرًا، ثم أمزق الأوراق، لأنني أدرك أن الوطن ليس صندوق بريد، وأن الحنين لا يعرف ساعي البريد. هناك رسائل لا تصل إلا إلى صاحبها، لأنها كُتبت بالحبر الذي لا يراه أحد.

4. مهاجر في محطة قطار

جلس الرجل العجوز على المقعد الخشبي ينتظر قطارًا لا يحمل اسمه في أي لوحة إلكترونية. كان يحدق في الوجوه العابرة كما لو أنه يبحث عن ملامح طفولته بينها. مرَّت ساعات طويلة، ثم نهض أخيرًا، ولم يركب أي قطار. أدرك أن الذي كان ينتظره لم يكن وسيلة نقل، بل زمنًا ضاع في الطريق، ولم يعد يعرف إلى أي محطة يعود.

5. قصيدة للحدود

الحدود لا تُرسم بالحبر، بل بالخوف.

كلُّ حاجزٍ إسمنتيٍّ يبدأ بفكرة.

وكلُّ سلكٍ شائكٍ كان يومًا جملةً قالها سياسيٌّ في قاعةٍ بعيدة.

أما العصافير، فما زالت تهاجر من دون جواز سفر، وتضحك في سرها من خرائط البشر.

6. غرفة مستأجرة

في الغرفة الضيقة، علَّقتُ صورة المدينة القديمة على الجدار المقابل للنافذة. كل صباح، كنت أفتح الستارة فلا أعرف أيهما الحقيقي: الشارع الذي أراه أمامي، أم الأزقة التي تلمع داخل الصورة. ومع مرور الأعوام، صار الجداران يتبادلان الأمكنة؛ تحولت الصورة إلى نافذة، وتحولت النافذة إلى صورة.

7. اعتراف مهاجر

لم أغادر وطني لأنني كرهته.

غادرتُه لأنني أحببتُ الحياة أكثر من الخوف.

وحين ابتعدتُ عنه، اكتشفتُ أن المسافات لا تقيس عدد الكيلومترات، بل عدد المرات التي يوقظك فيها اسم مدينةٍ قديمة، فتجلس في منتصف الليل، متأكدًا أنك سمعت باب بيتك الأول يُفتح.

8. عودة مستحيلة

عاد بعد ثلاثين عامًا.

وجد الأشجار أطول، والطرقات أوسع، والوجوه أكثر تعبًا.

أما البيت، فكان قائمًا في مكانه، لكنه لم يعرف الرجل الذي وقف أمام بابه.

ابتسم الغريب، وأدرك أن المنافي لا تغيّر المدن وحدها؛ إنها تعيد تشكيل أصحابها أيضًا، حتى يصبح اللقاء بين الإنسان وماضيه أشبه بتعارفٍ بين شخصين لم يلتقيا من قبل.

9. صلاة الغريب

أيها الطريق الطويل، لا تمنحني وطنًا جديدًا.

امنحني فقط القدرة على ألا أفقد الوطن القديم.

فإن ضاع المكان من القلب، فلن تنفعني جميع خرائط العالم.

10. خاتمة

كلُّ مهاجرٍ يحمل وطنين: واحدًا يسكن الأرض، وآخر يسكن الذاكرة.

الأول قد تضيع حدوده في تقلبات السياسة، أما الثاني فلا يستطيع أحد مصادرته، لأنه مبنيٌّ من أصوات الأمهات، ومن ضحكات الطفولة، ومن الضوء الأول الذي تعلَّم الإنسان أن يرى به العالم.

ولهذا، يبقى المنفى أطول من الطريق، وتبقى العودة أجمل من الوصول، حتى وإن لم تحدث أبدًا.



0 التعليقات: