الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يوليو 09، 2026

سياسات الهجرة تعيد تشكيل المصائر العربية: عبده حقي


 خلال الأيام الأخيرة، واصلت قضايا الهجرة واللجوء تصدر المشهد الدولي، مع تزايد التقارير الصادرة عن المنظمات الأممية والمؤسسات المتخصصة التي ترصد أوضاع المهاجرين واللاجئين، وتتابع التحولات التي تعرفها طرق الهجرة، ولا سيما في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وشمال إفريقيا، والشرق الأوسط. ويظل المهاجرون العرب في قلب هذه التطورات، سواء باعتبارهم جزءًا من موجات النزوح الناتجة عن النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية، أو باعتبارهم من الفئات التي تبحث عن فرص جديدة للعمل والاستقرار في أوروبا وأمريكا الشمالية.

وأظهر أحدث تقرير لـ«تقرير الهجرة العالمي 2026» الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة أن عدد المهاجرين الدوليين في العالم بلغ نحو 304 ملايين شخص بحلول منتصف عام 2024، أي ما يعادل نحو 3.7 في المائة من سكان العالم، مع استمرار ارتفاع عدد العمال المهاجرين بصورة تدريجية خلال السنوات الأخيرة. ويؤكد التقرير أن الهجرة أصبحت عنصراً بنيوياً في الاقتصاد العالمي، ولم تعد ظاهرة استثنائية مرتبطة بالأزمات وحدها، بل باتت جزءاً من حركة سوق العمل العالمية والتحولات الديموغرافية. 

وتشير البيانات الحديثة الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن العالم سجل بنهاية عام 2025 أكثر من 41.6 مليون لاجئ، إضافة إلى ملايين طالبي اللجوء والنازحين داخلياً، وهو ما يعكس استمرار الضغوط الإنسانية الناجمة عن الحروب والأزمات الممتدة في مناطق متعددة، من بينها السودان وسوريا واليمن وأفغانستان. وتؤكد المفوضية أن المنطقة العربية ما تزال من أكثر المناطق إنتاجاً لحركات النزوح القسري، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الدعم الدولي للدول المستضيفة. 

ومن أبرز المستجدات التي استأثرت باهتمام المؤسسات الدولية دخول ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة واللجوء حيز التنفيذ خلال شهر يونيو 2026، بعدما رحبت به كل من المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باعتباره فرصة لإرساء نظام أوروبي أكثر انتظاماً وعدالة في إدارة ملفات اللجوء والهجرة، مع توزيع أفضل للمسؤوليات بين الدول الأوروبية، والانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط طويل المدى. غير أن عدداً من المنظمات الحقوقية لا يزال يطالب بضمانات إضافية تكفل احترام حقوق طالبي اللجوء وعدم التضحية بالمعايير الإنسانية لصالح الاعتبارات الأمنية. 

وفي المقابل، لا تزال طرق الهجرة البحرية تشهد مخاطر كبيرة. فقد أفادت شبكة الهجرة المختلطة (الترجمة العربية لـ Mixed Migration Centre) بأن الأشهر الأولى من سنة 2026 سجلت مئات الوفيات في البحر الأبيض المتوسط، حيث تم توثيق ما لا يقل عن 990 حالة وفاة، معظمها في المسار الأوسط نحو السواحل الإيطالية، وهو ما يعكس استمرار نشاط شبكات تهريب البشر رغم تشديد الرقابة الأوروبية على الحدود. 

كما أظهرت بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الخاصة بالوصولات البحرية إلى أوروبا استمرار تدفق المهاجرين عبر إسبانيا وإيطاليا واليونان وقبرص، مع بقاء المهاجرين القادمين من المغرب والجزائر والسودان ضمن الجنسيات الأكثر حضوراً على بعض المسارات الغربية والوسطى للبحر الأبيض المتوسط، وفق البيانات المستندة إلى معطيات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)

وتحذر بوابة بيانات الهجرة، وهي الترجمة العربية لـ Migration Data Portal، من أن قراءة أرقام الهجرة ينبغي أن تتم في سياقها الكامل، لأن انخفاض أعداد الوافدين إلى أوروبا لا يعني بالضرورة تراجع الرغبة في الهجرة، بل قد يعكس تشديد إجراءات الرقابة الحدودية، أو انتقال المهاجرين إلى مسارات أكثر خطورة، أو اعتمادهم على شبكات تهريب أكثر تنظيماً. وتؤكد البوابة أن البيانات الدقيقة تظل أساساً لصياغة سياسات هجرة فعالة وإنسانية في الوقت نفسه. 

أما مركز سياسات الهجرة (الترجمة العربية لـ Migration Policy Institute) وعدد من مراكز الأبحاث الدولية، فيرون أن الهجرة العربية نحو أوروبا أصبحت أكثر تنوعاً من السابق، إذ لم تعد تقتصر على طالبي اللجوء، بل تشمل أيضاً العمال المهرة والطلبة ورواد الأعمال، وهو ما يفرض على الحكومات الأوروبية تطوير سياسات أكثر مرونة تستجيب لحاجات أسواق العمل مع الحفاظ على أمن الحدود.

وفي الملف السوداني، تواصل المنظمات الإنسانية التحذير من تدهور أوضاع اللاجئين. وتشير تقارير حديثة إلى أن آلاف السودانيين الذين لجؤوا سابقاً إلى مصر بدأوا يسلكون طرقاً جديدة عبر ليبيا نحو أوروبا نتيجة الضغوط الاقتصادية وتشديد بعض الإجراءات المتعلقة بالإقامة، وهو ما يزيد من أخطار الرحلات غير النظامية عبر البحر المتوسط. 

وتبدي منظمة اللاجئين الدولية، وهي الترجمة العربية لـ Refugees International، قلقاً متزايداً من اتساع الفجوة بين الالتزامات القانونية للدول وبين الواقع الميداني الذي يواجهه اللاجئون والمهاجرون، خصوصاً في مناطق النزاعات، حيث تتراجع إمكانيات الاستجابة الإنسانية بفعل نقص التمويل وتزايد أعداد المحتاجين إلى الحماية.

وفي السياق نفسه، تواصل منصة معلومات للمهاجرين، وهي الترجمة العربية لـ InfoMigrants، متابعة التطورات اليومية المتعلقة بطرق الهجرة والقرارات الأوروبية الجديدة، مع التركيز على تقديم معلومات عملية للمهاجرين حول إجراءات اللجوء، ولمّ الشمل، وحقوق الإقامة، والتحذير من شبكات التهريب والاحتيال التي تستغل أوضاع الفئات الهشة.

أما منصة التعاون الدولي للمهاجرين غير النظاميين، وهي الترجمة العربية لـ PICUM، فتواصل الدعوة إلى تعزيز حقوق المهاجرين غير الحاصلين على وثائق قانونية، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية لهم، بما يشمل الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية، باعتبار ذلك جزءاً من الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وتبرز كذلك مساهمة مركز الهجرة المختلطة ومحور الهجرة المختلطة، وهما الترجمة العربية لـ Mixed Migration Centre وMixed Migration Hub، في إصدار تحليلات دورية ترصد تغير مسارات الهجرة عبر شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، مع متابعة نشاط شبكات التهريب وتأثير النزاعات والتغيرات المناخية في قرارات المهاجرين.

وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة – القسم العربي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – عربي أن التعاون الإقليمي بين الدول العربية والأوروبية والإفريقية أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن إدارة الهجرة لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية، بل تحتاج أيضاً إلى تنمية اقتصادية، وتوفير فرص العمل، ومعالجة الأسباب العميقة للهجرة القسرية.

وفي المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن ملف الهجرة العربية يدخل مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات السياسية والاقتصادية والأمنية. فبينما تسعى الدول الأوروبية إلى إحكام إدارة حدودها وتطبيق تشريعات جديدة، تستمر المنظمات الدولية في التذكير بأن حماية الإنسان يجب أن تبقى في صلب أي سياسة للهجرة، وأن معالجة جذور الأزمات في بلدان المنشأ تظل الطريق الأكثر استدامة للحد من الهجرة غير النظامية، وضمان هجرة آمنة ومنظمة ومنتظمة للجميع. 

0 التعليقات: