أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ، وَمَرْحَبًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ نَصْحَبُكُمْ فِيهَا فِي جَوْلَةٍ عَبْرَ أَبْرَزِ مَا شَهِدَهُ الْمَشْهَدُ الثَّقَافِيُّ وَالْفَنِّيُّ فِي الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ، وسَنَنْتَقِلُ مَعًا بَيْنَ الْفِكْرِ وَالْإِبْدَاعِ، وَالْمُوسِيقَى وَالسِّينِمَا، وَالْفُنُونِ التَّشْكِيلِيَّةِ، وَالْحَرَاكِ الثَّقَافِيِّ الْمَغْرِبِيِّ، لِنَكْتَشِفَ صُورَةً أَكْثَرَ اتِّسَاعًا لِمَا يَجْرِي فِي الْفَضَاءِ الثَّقَافِيِّ الْعَالَمِيِّ وَالْعَرَبِيِّ.
نَبْدَأُ جَوْلَتَنَا مِنْ مَعْهَدِ الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ فِي بَارِيسَ، الَّذِي يَفْتَحُ أَبْوَابَهُ هَذَا الصَّيْفَ عَلَى مَوْسِمٍ ثَقَافِيٍّ يَحْمِلُ رُؤْيَةً تَتَجَاوَزُ فِكْرَةَ تَنْظِيمِ الْأَنْشِطَةِ الْفَنِّيَّةِ، لِيُصْبِحَ فَضَاءً لِلْحِوَارِ وَالتَّبَادُلِ وَاكْتِشَافِ التَّجَارِبِ الْإِبْدَاعِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ. فَالْمَعْهَدُ يُوَاصِلُ رِسَالَتَهُ فِي تَقْدِيمِ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى الْجُمْهُورِ الْأُورُوبِّيِّ بِصُورَةٍ حَيَّةٍ وَمُعَاصِرَةٍ، مِنْ خِلَالِ الْمَعَارِضِ وَالْحَفَلَاتِ وَالْعُرُوضِ وَاللِّقَاءَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَالْوَرَشَاتِ الْإِبْدَاعِيَّةِ.
وَمَا يُلْفِتُ النَّظَرَ فِي هَذِهِ
الْبَرْمَجَةِ هُوَ أَنَّهَا لَا تَكْتَفِي بِتَقْدِيمِ الثَّقَافَةِ بِصِفَتِهَا
تُرَاثًا، بَلْ تُظْهِرُهَا بِاعْتِبَارِهَا مَشْرُوعًا مُتَجَدِّدًا يَتَفَاعَلُ
مَعَ الْعَالَمِ، وَيُعَبِّرُ عَنْ أَسْئِلَةِ الْإِنْسَانِ الْمُعَاصِرِ،
وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْإِبْدَاعَ الْعَرَبِيَّ مَا زَالَ يَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ
عَلَى إِنْتَاجِ الْجَمَالِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْحِوَارِ.
وَمِنْ بَارِيسَ نَنْتَقِلُ إِلَى
الْمَشْهَدِ الْمُوسِيقِيِّ الْعَالَمِيِّ، حَيْثُ تُبَيِّنُ الْحَرَكِيَّةُ
الْفَنِّيَّةُ أَنَّ الصَّيْفَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَوْسِمٍ لِلْحَفَلَاتِ، بَلْ
أَصْبَحَ مَخْتَبَرًا لِلتَّجَارِبِ الْمُوسِيقِيَّةِ الْجَدِيدَةِ. فَالْمَهْرَجَانَاتُ
الدَّوْلِيَّةُ وَالْعُرُوضُ الْمُبَاشِرَةُ تُعِيدُ رَسْمَ خَرِيطَةِ
التَّذَوُّقِ الْفَنِّيِّ، وَتَجْمَعُ بَيْنَ الْأَنْوَاعِ الْمُوسِيقِيَّةِ
الْمُخْتَلِفَةِ، وَتُوَفِّرُ فُرَصًا لِظُهُورِ أَصْوَاتٍ جَدِيدَةٍ وَتَجَارِبَ
تَعْبِيرِيَّةٍ مُبْتَكَرَةٍ.
إِنَّ الْمُوسِيقَى الْيَوْمَ لَا تَعْرِفُ
الْحُدُودَ، فَهِيَ تَنْتَقِلُ بَيْنَ الْقَارَّاتِ بِسُرْعَةِ الْفَضَاءِ
الرَّقْمِيِّ، وَتَصْنَعُ جُمْهُورًا عَالَمِيًّا يَتَقَاسَمُ الْأَذْوَاقَ
وَالْمَشَاعِرَ وَالتَّجَارِبَ. وَفِي الْمُقَابِلِ، تَبْقَى الْهُوِيَّاتُ
الْمُوسِيقِيَّةُ الْمَحَلِّيَّةُ حَاضِرَةً بِقُوَّةٍ، تُدَافِعُ عَنْ
خُصُوصِيَّتِهَا، وَتُسْهِمُ فِي إِغْنَاءِ الْمَشْهَدِ الْفَنِّيِّ
الْعَالَمِيِّ. وَبَيْنَ الْعَالَمِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ تَتَشَكَّلُ لُغَةٌ
مُوسِيقِيَّةٌ جَدِيدَةٌ تُجَسِّدُ رُوحَ الْعَصْرِ.
أَمَّا فِي عَالَمِ الرَّسْمِ وَالْفُنُونِ
التَّشْكِيلِيَّةِ، فَإِنَّ الْمَعَارِضَ الْمُقَامَةَ فِي عَدَدٍ مِنَ الْمُدُنِ
تُظْهِرُ أَنَّ الْفَنَّانِينَ يُوَاصِلُونَ الْبَحْثَ عَنْ أَشْكَالٍ جَدِيدَةٍ
لِلتَّعْبِيرِ الْبَصَرِيِّ. فَاللَّوْحَةُ لَمْ تَعُدْ مَجَرَّدَ مَسَاحَةٍ
لِلَّوْنِ، بَلْ غَدَتْ فَضَاءً لِلْأَسْئِلَةِ الْفِكْرِيَّةِ وَالْقَضَايَا
الْإِنْسَانِيَّةِ، وَالْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْمَكَانِ
وَالذَّاكِرَةِ وَالْمُسْتَقْبَلِ.
وَالْمَعَارِضُ الْفَنِّيَّةُ لَا
تَقْتَصِرُ عَلَى عَرْضِ الْأَعْمَالِ، بَلْ تُشَكِّلُ فُرَصًا لِلِّقَاءِ بَيْنَ
الْفَنَّانِينَ وَالْبَاحِثِينَ وَالْجُمْهُورِ، وَلِتَبَادُلِ الْأَفْكَارِ
وَالرُّؤَى، وَلِإِعَادَةِ النَّظَرِ فِي دَوْرِ الْفَنِّ فِي مُجْتَمَعٍ
يَتَغَيَّرُ بِسُرْعَةٍ. وَمِنْ هُنَا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ الْفُنُونِ
التَّشْكِيلِيَّةِ بِاعْتِبَارِهَا لُغَةً تَتَجَاوَزُ الْحُدُودَ وَالْأَلْسُنَ،
وَتُخَاطِبُ الْإِنْسَانَ فِي أَعْمَقِ مَشَاعِرِهِ.
وَإِذَا كَانَتِ الصُّورَةُ الثَّابِتَةُ
تُنْتِجُ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الدَّهْشَةِ، فَإِنَّ الصُّورَةَ الْمُتَحَرِّكَةَ
تَظَلُّ قَادِرَةً عَلَى إِعَادَةِ تَشْكِيلِ ذَاكِرَتِنَا الْجَمَاعِيَّةِ.
وَهُنَا نَصِلُ إِلَى الْمَشْهَدِ السِّينِمَائِيِّ، حَيْثُ تَكْشِفُ
الْإِصْدَارَاتُ وَالْعُرُوضُ وَالْمَهْرَجَانَاتُ أَنَّ السِّينِمَا مَا زَالَتْ
تَحْتَفِظُ بِقُدْرَتِهَا عَلَى إِثَارَةِ النِّقَاشِ وَصِيَاغَةِ الْأَسْئِلَةِ
الْكُبْرَى.
فَالْفِلْمُ الْمُعَاصِرُ لَا يَعْتَمِدُ
عَلَى الْفُرْجَةِ وَحْدَهَا، بَلْ يَسْعَى إِلَى اسْتِكْشَافِ التَّحَوُّلَاتِ
الَّتِي تَعِيشُهَا الْمُجْتَمَعَاتُ، وَإِلَى إِعَادَةِ قِرَاءَةِ التَّارِيخِ
وَالذَّاكِرَةِ وَالْهُوِيَّةِ وَالْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْفَرْدِ وَالْعَالَمِ.
وَتُصْبِحُ الشَّاشَةُ بِذَلِكَ مِرْآةً تُظْهِرُ مَا نَعِيشُهُ مِنْ
تَغَيُّرَاتٍ، وَتُقَدِّمُ لَنَا وُجُوهًا جَدِيدَةً لِلْوَاقِعِ، وَتُسَاعِدُنَا
عَلَى فَهْمِ الْحَاضِرِ مِنْ خِلَالِ الصُّورَةِ وَالسَّرْدِ وَالْخَيَالِ.
وَنَخْتِمُ جَوْلَتَنَا بِالْمَشْهَدِ
الثَّقَافِيِّ وَالْفَنِّيِّ الْمَغْرِبِيِّ، الَّذِي يَعْرِفُ حَرَاكًا
مُتَنَوِّعًا يَعْكِسُ حَيَوِيَّةَ الْمُؤَسَّسَاتِ وَالْمُبْدِعِينَ
وَالْجَمْهُورِ. فَالْمَعَارِضُ، وَالْمَوَاعِيدُ الْمُوسِيقِيَّةُ،
وَالْأَنْشِطَةُ الْأَدَبِيَّةُ، وَالْمُبَادَرَاتُ الثَّقَافِيَّةُ تُؤَكِّدُ
أَنَّ الثَّقَافَةَ الْمَغْرِبِيَّةَ تُوَاصِلُ تَجْدِيدَ أَدَوَاتِهَا،
وَتُوَسِّعُ دَوَائِرَ حُضُورِهَا دَاخِلِيًّا وَخَارِجِيًّا.
وَلَعَلَّ أَبْرَزَ مَا يَمِيزُ هَذَا
الْحَرَاكَ هُوَ تَنَوُّعُهُ؛ فَهُنَاكَ تَعَايُشٌ بَيْنَ الْفُنُونِ
التَّقْلِيدِيَّةِ وَالتَّجَارِبِ الرَّقْمِيَّةِ، وَبَيْنَ الْمِيرَاثِ
الثَّقَافِيِّ وَالِابْتِكَارِ الْمُعَاصِرِ، وَبَيْنَ الْأَجْيَالِ
الْمُخْتَلِفَةِ مِنَ الْمُبْدِعِينَ. وَهُوَ تَنَوُّعٌ يُعَبِّرُ عَنْ
حَيَوِيَّةِ الْمَشْهَدِ، وَعَنْ رَغْبَةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي مُوَاكَبَةِ
التَّحَوُّلَاتِ الثَّقَافِيَّةِ الْعَالَمِيَّةِ دُونَ التَّفْرِيطِ فِي
الْخُصُوصِيَّةِ الْوَطَنِيَّةِ.
مُسْتَمِعُونَا الْأَعِزَّاءُ، إِنَّ الْقَاسِمَ
الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوَاضِيعِ الْخَمْسَةِ هُوَ أَنَّهَا تُقَدِّمُ
لَنَا صُورَةً وَاحِدَةً لِثَقَافَةٍ لَا تَعْرِفُ الْجُمُودَ، وَإِبْدَاعٍ لَا
يَعْرِفُ الْحُدُودَ، وَفَنٍّ يُوَاصِلُ إِنْتَاجَ الْأَمَلِ وَالْمَعْنَى فِي
عَالَمٍ تَتَسَارَعُ فِيهِ التَّغَيُّرَاتُ. فَالْمَعْهَدُ الثَّقَافِيُّ،
وَالْمَهْرَجَانُ الْمُوسِيقِيُّ، وَالْمَعْرِضُ التَّشْكِيلِيُّ، وَالشَّاشَةُ
السِّينِمَائِيَّةُ، وَالْمُبَادَرَةُ الثَّقَافِيَّةُ الْمَغْرِبِيَّةُ، كُلُّهَا
حَلَقَاتٌ فِي سِلْسِلَةٍ وَاحِدَةٍ تُؤَكِّدُ أَنَّ الْإِبْدَاعَ يَبْقَى
اللُّغَةَ الْأَقْدَرَ عَلَى تَقْرِيبِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْإِنْسَانِ.
وَبِهَذَا نَصِلُ إِلَى خِتَامِ
حَلْقَتِنَا الْيَوْمَ. شُكْرًا لِحُسْنِ مُتَابَعَتِكُمْ، وَنَأْمُلُ أَنْ
تَكُونَ هَذِهِ الْجَوْلَةُ قَدْ مَنَحَتْكُمْ صُورَةً مُتَكَامِلَةً عَنْ
أَبْرَزِ مَلَامِحِ الْمَشْهَدِ الثَّقَافِيِّ وَالْفَنِّيِّ فِي الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ
الْمَاضِيَةِ، وَأَنْ تَدْفَعَكُمْ إِلَى مُوَاصَلَةِ اكْتِشَافِ الْكُتُبِ،
وَالْمُوسِيقَى، وَالْمَعَارِضِ، وَالْأَفْلَامِ، وَالْمُبَادَرَاتِ
الثَّقَافِيَّةِ الَّتِي تُثْرِي حَيَاتَنَا وَتُوَسِّعُ آفَاقَنَا. إِلَى لِقَاءٍ
جَدِيدٍ فِي حَلْقَةٍ قَادِمَةٍ، دُمْتُمْ بِخَيْرٍ، وَدَامَتِ الثَّقَافَةُ
جِسْرًا لِلْحِوَارِ وَالْإِبْدَاعِ.
مع تحيات الكاتب المغربي عبده حقي








0 التعليقات:
إرسال تعليق