كشفت الأيام الماضية عن مشهد موسيقي عالمي شديد الحيوية، تتجاور فيه المهرجانات الصيفية الضخمة مع العودة المنتظرة لفرق غابت سنوات طويلة، وتلتقي داخله الموسيقى التراثية بالتجارب الإلكترونية وموسيقى البوب والروك والجاز. ففي المغرب تحولت الدار البيضاء إلى عاصمة موسيقية تستقبل أسماء دولية بارزة، بينما واصل الفنانون العرب توسيع حضورهم في المهرجانات العالمية وفي فضاءات الجاليات العربية. أما أوروبا والولايات المتحدة، فقد شهدتا إعلانات عن ألبومات جديدة وجولات فنية واحتفالات بمسيرات امتدت عقودًا، بما يؤكد أن الموسيقى تظل واحدة من أكثر الصناعات الثقافية قدرة على التجدد واستقطاب الجمهور.
شهد المغرب خلال الأيام الماضية واحدة من أبرز محطات موسمه الموسيقي الصيفي مع اختتام الدورة التاسعة عشرة من مهرجان جازابلانكا، الذي احتضنته مدينة الدار البيضاء ما بين 2 و11 يوليوز 2026. وقد رسخ المهرجان مكانته بوصفه فضاءً يتجاوز المفهوم التقليدي لموسيقى الجاز، ليفتح منصاته أمام موسيقى الروك والبوب والسول والإيقاعات الإفريقية واللاتينية، مستضيفًا عشرات الفنانين القادمين من مدارس موسيقية وثقافات مختلفة.
وضمت برمجة هذه الدورة أسماء عالمية ذات جماهيرية واسعة، من بينها روبي ويليامز، وفرقة سكوربيونز، وميكا، وجورجا سميث، وخوانيس، وشارلوت كاردان، إلى جانب أصوات وتجارب تنتمي إلى الجاز المعاصر والموسيقى الإفريقية وموسيقى الروح. كما شارك فنانون من أصول مغربية، من بينهم فوزية، إلى جانب مهدي ناسولي وسارة مزيغ وعدد من الموسيقيين الشباب. هذه المشاركة المغربية لم تكن مجرد إضافة محلية إلى برنامج دولي، بل عكست قدرة الفنان المغربي على الانتقال بين التراث والإنتاج الموسيقي العالمي المعاصر.
ويكشف التنوع الذي طبع مهرجان جازابلانكا عن تحول واضح في ثقافة المهرجانات المغربية. فالجمهور لم يعد يُستدعى للاستماع إلى جنس موسيقي واحد، بل أصبح يجد نفسه داخل رحلة تشمل الجاز والروك والبوب والفانك والموسيقى الإفريقية والمغربية. وتؤكد هذه الصيغة أن الدار البيضاء تسعى إلى ترسيخ صورتها مدينةً منفتحة على الموسيقى العالمية، تجمع بين العروض الكبرى والمساحات المجانية والأنشطة الموازية.
وإلى جانب المهرجانات ذات الطابع العالمي، برز خلال الأيام الماضية اهتمام مؤسساتي بالموسيقى المغربية التراثية، من خلال الإعلان عن تنظيم المهرجان الجهوي لطرب الآلة بمدينة الرباط بين 20 و22 يوليوز 2026. ويهدف هذا الموعد، بحسب وزارة الشباب والثقافة والتواصل، إلى تثبيت موقع الموسيقى الأندلسية باعتبارها أحد المكونات الأساسية للذاكرة الموسيقية المغربية، وإلى تقريبها من الأجيال الجديدة، مع تشجيع البحث والتوثيق والحوار بين الموسيقيين والباحثين.
وتحمل هذه المبادرة أهمية خاصة لأنها توازن بين الانفتاح المتزايد على نجوم الموسيقى العالمية وبين ضرورة حماية الأنماط الموسيقية المغربية المهددة بالتراجع أمام الإنتاج التجاري السريع. فطرب الآلة ليس مجرد لون موسيقي احتفالي، بل هو خزان لغوي وشعري وتاريخي، يحفظ داخل نوباته وإيقاعاته طبقات من الذاكرة الأندلسية والمغاربية.
وفي العالم العربي، اتجهت الأنظار إلى تونس مع انطلاق الدورة الستين من مهرجان الحمامات الدولي، التي تمتد من 11 يوليوز إلى 13 غشت 2026. وقد استُهل البرنامج الموسيقي بحفل للموسيقي وعازف العود التونسي ظافر يوسف يوم 12 يوليوز، يليه حفل للمغنية اللبنانية ياسمين حمدان يوم 13 يوليوز، ثم تتوالى عروض عربية وإفريقية ودولية متنوعة.
ويمثل حضور ظافر يوسف في افتتاح البرنامج الموسيقي دلالة رمزية وفنية؛ فهو من الموسيقيين العرب الذين استطاعوا إدخال العود إلى فضاءات الجاز والتجريب الإلكتروني والصوفي، وبناء لغة موسيقية تتجاوز الفصل التقليدي بين الشرقي والغربي. أما ياسمين حمدان، فقد رسخت حضورها عبر مزج الأغنية العربية بتيارات الموسيقى البديلة والإلكترونية، لتصبح نموذجًا للفنان العربي الذي يتحرك بحرية بين بيروت وباريس والمسارح العالمية.
كما شهدت الساحة الموسيقية العربية اهتمامًا بتجربة الفنانة الفلسطينية الأردنية دانا صلاح، التي ظهرت في مهرجان للثقافة الشرق أوسطية وشمال الإفريقية بولاية كاليفورنيا. وتقدم دانا صلاح لونًا تصفه باسم «البوب الفلاحي»، يقوم على الجمع بين الموسيقى الشعبية الفلسطينية والإنتاج الغربي المعاصر. وقد أبرز التقرير المنشور عن مشاركتها قدرة هذا الأسلوب على التعبير عن الهوية الفلسطينية والعربية داخل فضاءات المهجر، من دون السقوط في استنساخ التراث أو تقديمه بوصفه مادة متحفية.
وفي لبنان، كُشف عن برنامج دورة 2026 من مهرجان أوكنفست، المقرر تنظيمه يومي 25 و26 يوليوز، بمشاركة مجموعة من الفنانين المستقلين، من بينهم المغنية السورية لين أديب، وفرقة بوستكاردز اللبنانية، وجنى صالح وكريستينا كيروز وغيرهم. ويمنح المهرجان مساحة للأصوات التجريبية والموسيقى البديلة بعيدًا عن أنماط الأغنية التجارية المسيطرة في المنطقة.
تكمن أهمية هذه المهرجانات في أنها تساعد على تكوين مشهد عربي موسيقي بديل، لا يعتمد فقط على النجومية التلفزيونية أو الإنتاج واسع الميزانية، بل يمنح الأولوية للبحث الموسيقي والتجريب والتعبير الفردي. وهي أيضًا فضاءات لإعادة بناء الحياة الثقافية اللبنانية في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أضعفت المؤسسات الفنية.
ومن الأخبار الدالة على الانتشار المتزايد للموسيقى العربية عالميًا، الإعلان عن تصدر الفنان الفلسطيني سانت ليفانت والفنان المغربي ديستانكت مهرجان «مهرجان» الموسيقي في لندن، المرتقب تنظيمه في مطلع غشت. ويقدم الحدث نفسه منصة للاحتفاء بالموسيقى العربية عبر أجيالها المختلفة، جامعًا بين التراث وأصوات البوب والراب والإيقاعات الحضرية الجديدة.
وهذا الحضور المغربي الفلسطيني في العاصمة البريطانية يكشف أن الأغنية العربية الحديثة لم تعد مرتبطة فقط بأسواق القاهرة وبيروت والخليج، بل أصبحت جزءًا من ثقافة المدن الأوروبية الكبرى، مستفيدة من الجمهور العربي في المهجر ومن منصات الاستماع الرقمي التي قلصت الحدود بين الأسواق الفنية.
أما في أوروبا، فقد استمرت المهرجانات الصيفية في قيادة المشهد الموسيقي، مع فعاليات كبرى في إسبانيا وفرنسا وبريطانيا ودول أخرى. ومن أبرزها مهرجان ماد كول في مدريد، الذي استضاف خلال أيامه الأخيرة أسماء من بينها فرقة فلورنس آند ذا ماشين والمغنية لورد، إلى جانب فنانين ينتمون إلى الروك والبوب والموسيقى الإلكترونية.
وتعكس برمجة المهرجان التنافس المتصاعد بين المدن الأوروبية على اجتذاب الجولات العالمية الكبرى. فالمهرجان الموسيقي لم يعد مجرد حدث فني، بل أصبح جزءًا من الاقتصاد السياحي للمدينة، بما يحركه من حجوزات فندقية ونقل ومطاعم وصناعات إبداعية وإعلامية.
وفي فرنسا، تواصلت فعاليات مهرجان إيكس أون بروفانس، الذي يقدم برنامجًا يجمع بين الأوبرا والموسيقى الكلاسيكية والباروكية. ومن أبرز المشاركات المعلنة حضور مغنية الأوبرا سونيا يونشيفا، إلى جانب فرق وقادة أوركسترا ومغنين يقدمون أعمالًا لموزار وماسينيه وبيزيه وبوتشيني وفيردي وبرليوز.
ويظل هذا المهرجان شاهدًا على قدرة الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية على تجديد جمهورها من خلال إخراج بصري معاصر وبرامج تجمع بين الأعمال المعروفة والاكتشافات النادرة. كما يحافظ على مكانة الأوبرا في زمن تتجه فيه الصناعات الموسيقية بقوة نحو الأغنية القصيرة والمنصات الرقمية.
كما شهدت أوروبا اهتمامًا بإصدارات موسيقية جديدة مرتقبة خلال يوليوز، من بينها ألبومات لسوكي ووترهاوس وكيليلا وآدم لامبرت وفرقة رولينغ ستونز، وفق الدليل الثقافي الأسبوعي لصحيفة الغارديان البريطانية. وتظهر هذه الإصدارات استمرار التداخل بين موسيقى البوب والإلكترونيك والروك، وعودة أسماء مخضرمة للعمل بالتوازي مع أجيال جديدة.
وفي الولايات المتحدة، كان الحدث الأبرز هو انطلاق سلسلة حفلات يحتفل من خلالها مغني الراب جاي زي بمرور ثلاثين عامًا على مسيرته. وقد شهد الحفل الافتتاحي في ملعب يانكي بمدينة نيويورك ظهورًا مفاجئًا لزوجته بيونسيه وابنتهما بلو آيفي. وقدمت بيونسيه مشاركة غنائية، بينما عزفت بلو آيفي مقطعًا منفردًا على البيانو إلى جانب والدها.
وقد تحول الحفل بذلك من احتفال بمسيرة فنان فرد إلى عرض لذاكرة عائلة موسيقية ارتبط اسمها بصناعة الترفيه الأمريكية خلال العقود الأخيرة. كما يبرز الحدث الطريقة التي أصبحت بها الحفلات الكبرى تجمع بين الأداء الفني والسرد الشخصي والعائلي، بما يخلق لحظات قابلة للتداول الواسع عبر الشبكات الاجتماعية.
وفي خبر بارز آخر، أعلنت فرقة ألاباما شيكس عن ألبومها الجديد «يجب أن أكون أحلم»، المقرر صدوره في 28 غشت، ليكون أول ألبوم استوديو للفرقة منذ أحد عشر عامًا. وجاء الإعلان بعد عودة الفرقة إلى تقديم العروض منذ نهاية عام 2024، وانطلاق جولة تشمل أوروبا وأمريكا الشمالية.
تمثل عودة ألاباما شيكس حدثًا مهمًا لمحبي الروك والسول الأمريكيين، خاصة أن صوت المغنية بريتاني هوارد ظل أحد أكثر الأصوات تميزًا في الموسيقى الأمريكية الحديثة. كما يعكس عنوان الألبوم الجديد رؤية مزدوجة للعالم، ترى الفوضى والجمال متجاورين، وهو ما يمنح العودة بعدًا يتجاوز الحنين إلى الماضي.
وفي أوكلاند بولاية كاليفورنيا، تستعد المدينة لاحتضان مهرجان موسوود ميلتداون يومي 18 و19 يوليوز، بمشاركة إيغي بوب وفرقة بيكيني كيل وعدد من فرق البانك والروك المستقل. ويتميز المهرجان بروحه الاحتجاجية وانتصاره للفنانين الخارجين عن التصنيفات التجارية المألوفة، كما يتولى المخرج جون ووترز تقديم فعالياته.
وتوضح هذه البرمجة أن المهرجانات الأمريكية لا تتحرك كلها وفق منطق النجومية الجماهيرية الضخمة؛ فهناك أيضًا فضاءات تحافظ على ثقافة البانك والتمرد الفني، وتدافع عن الاختلاف وحرية التعبير الموسيقي.
إن الحصيلة الموسيقية للأيام الماضية تكشف عن حركة متعددة الاتجاهات: المغرب يعزز حضوره ضمن شبكة المهرجانات الدولية، والموسيقى العربية تنتقل بثقة إلى مسارح لندن وكاليفورنيا، فيما تستثمر أوروبا في مهرجاناتها الصيفية الكبرى وتحافظ الولايات المتحدة على قدرتها على صناعة الأحداث الموسيقية ذات الصدى العالمي. وبين عودة الفرق القديمة وصعود الأصوات الجديدة، وبين حماية التراث وتجريب الإيقاعات الإلكترونية، يتأكد أن الموسيقى لا تتقدم في خط مستقيم، بل تبني مستقبلها عبر حوار دائم بين الذاكرة والابتكار، وبين الهوية المحلية والرغبة في الوصول إلى العالم.







0 التعليقات:
إرسال تعليق