الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، فبراير 03، 2026

مَغْرِبٌ يَكْتُبُ بِالصُّوَرِ وَالعَرَبُ يُرَتِّبُونَ المَكْتَبَةَ وَإِفْرِيقِيَا تُوَسِّعُ أُفُقَ الحِكَايَةِ: إعداد عبده حقي

 


فِي هٰذَا اليَوْمِ، يَبْدُو الأَدَبُ الرَّقَمِيُّ كَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ظِلِّ التَّجْرِيبِ إِلَى وَضُوحِ المَشْهَدِ: نَصٌّ يَتَحَرَّكُ، وَقَارِئٌ يُساهِمُ، وَمَنْصَّاتٌ تُعِيدُ تَعْرِيفَ مَعْنَى “الكِتابِ” نَفْسِهِ. فِي المَغْرِبِ، تَتَقَاطَعُ مُبادَراتُ القِراءَةِ وَمَوَاعِيدُ المَعَارِضِ وَأَسَابِيعُ الفُنُونِ الرَّقْمِيَّةِ مَعَ شَغَفِ جِيلٍ يَكْتُبُ وَيَنْشُرُ وَيُشَاهِدُ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَفِي العَالَمِ العَرَبِيِّ، تُسَرِّعُ المَكْتَبَاتُ الرَّقْمِيَّةُ الكُبْرَى وَالسُّوقُ الصَّوْتِيَّةُ (الكِتابُ المَسْمُوعُ) مِنْ انْتِشَارِ المُتُونِ، حَتَّى صَارَتِ الرِّوايَةُ تُقْرَأُ بِالأُذُنِ كَما تُقْرَأُ بِالعَيْنِ. أَمَّا فِي إِفْرِيقِيَا، فَتَتَشَكَّلُ حَالَةٌ أَوْسَعُ: المَسَارِحُ وَالمَهْرَجَانَاتُ وَالوِرَشُ تَسْتَدْعِي الكَلِمَةَ لِتُجاوِرَ الصُّوَرَةَ وَالصَّوْتَ وَالبُودْكَاسْتَ وَالسَّرْدَ عَبْرَ الإِنْتِرْنِت.

فِي المَغْرِبِ، يَتَأَكَّدُ أَنَّ الرَّقْمَنَةَ لَيْسَتْ “قِنَاعًا” لِلنَّصِّ بَلْ بِيئَتَهُ الجَدِيدَةَ. فَهُنَاكَ بَرَامِجُ تَرْبَوِيَّةٌ تَسْتَخْدِمُ الوَسَائِلَ الرَّقْمِيَّةَ فِي المُسَابَقَاتِ وَالتَّفَاعُلِ مَعَ القِراءَةِ، عَلَى نَحْوٍ يُقَرِّبُ الأَدَبَ مِنْ جِيلِ الشَّاشَاتِ دُونَ أَنْ يُفْقِدَهُ جَوْهَرَهُ. وَفِي أُفُقِ المَوَاعِيدِ الثَّقَافِيَّةِ، يَظْهَرُ أَنَّ المَعْرِضَ الدَّوْلِيَّ لِلنَّشْرِ وَالكِتَابِ بِالرِّبَاطِ يَفْتَحُ حَيِّزًا لِأَشْكَالٍ تَفَاعُلِيَّةٍ تُدْخِلُ “اللَّعِبَ التَّرْبَوِيَّ” وَ“المُسَابَقَةَ الرَّقْمِيَّةَ” إِلَى قَلْبِ المِهْنَةِ الثَّقَافِيَّةِ، كَأَنَّ الكِتَابَ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَبْقَى حَيًّا فِي زَمَنِ التَّطْبِيقَات. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، تُواصِلُ فَضَاءَاتُ الفُنُونِ الرَّقْمِيَّةِ فِي المَغْرِبِ—خُصُوصًا فِي مَوَاسِمِهَا الخَرِيفِيَّةِ—تَغْذِيَةَ خَيَالِ الكُتَّابِ بِمَزْجِ الخِدَعِ البَصَرِيَّةِ وَالتِّقْنِيَةِ وَالْمُحَاكَاةِ، فَيَتَحَوَّلُ السَّرْدُ إِلَى مَشْهَدٍ، وَتَصِيرُ الجُمْلَةُ مِثْلَ لُقْطَةٍ سِينِمَائِيَّةٍ تُقْطَعُ وَتُرَكَّبُ. وَيَظْهَرُ أَيْضًا فِي المَغْرِبِ مَسَارٌ مُوَازٍ: نَقَاشَاتٌ أَكادِيمِيَّةٌ وَدَعَوَاتٌ لِلبُحُوثِ تُعِيدُ رَبْطَ الأَدَبِ بِالعَالَمِ وَبِسُؤَالِ “الحِوَارِ” وَالتَّرْجَمَةِ وَالعَوْلَمَةِ، وَكَأَنَّ الرَّقْمِيَّ يَفْتَحُ لِلنَّصِّ جَوَازَ سَفَرٍ جَدِيدًا مِنْ دُونِ أَنْ يَسْلُبَهُ مَحَلِّيَّتَهُ.

أَمَّا فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ، فَأَكْثَرُ مَا يَلْفِتُ هُوَ انْتِقَالُ “مَشْرُوعِ المَكْتَبَةِ” إِلَى مَنْطِقِ المِنَصَّاتِ الكُبْرَى: فَقَدْ بَدَأَتْ مُبَادَرَاتٌ تُقَدِّمُ عَنَاوِينَ عَرَبِيَّةً بِأَحْجَامٍ كَبِيرَةٍ عَلَى صِيَغِ الكُتُبِ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ وَالكُتُبِ المَسْمُوعَةِ، بِشَرَاكَاتٍ تَعِدُ بِتَوْسِيعِ الوُصُولِ إِلَى القَارِئِ العَرَبِيِّ فِي الدَّاخِلِ وَالمَهْجَرِ، وَتَقْرِيبِ النَّشْرِ مِنْ إِيقَاعِ العَصْرِ. وَالمَعْنَى الأَعْمَقُ هُنَا أَنَّ الرِّقْمِيَّ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ “نُسْخَةٍ PDF”، بَلْ صَارَ بِنْيَةً اقْتِصَادِيَّةً وَحُقُوقِيَّةً وَتِقْنِيَّةً: نَمَاذِجُ عَائِدَاتٍ، وَتَرْتِيبُ حُقُوقِ المُلْكِيَّةِ، وَتَحْوِيلُ الكِتابِ إِلَى سِلْسِلَةٍ مِنَ الصِّيَغِ (مَطْبُوعٌ/إِلِكْتُرُونِيٌّ/مَسْمُوعٌ). وَفِي خَلْفِيَّةِ ذٰلِكَ، تَبْرُزُ أَسْئِلَةُ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ فِي الثَّقَافَةِ: كَيْفَ نَحْمِي صَوْتَ الكَاتِبِ؟ كَيْفَ نُفَرِّقُ بَيْنَ المُسَاعَدَةِ وَالمُصَادَرَةِ؟ وَكَيْفَ نَضْمَنُ أَنْ يَبْقَى التَّنَوُّعُ اللُّغَوِيُّ وَالثَّقَافِيُّ حَاضِرًا دَاخِلَ الآلِيَّاتِ الجَدِيدَة؟

وَفِي إِفْرِيقِيَا، يَتَّسِعُ المَشْهَدُ بِطَرِيقَةٍ مُثِيرَةٍ: فَهُنَاكَ مَهْرَجَانَاتٌ فَنِّيَّةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ العُرُوضِ وَالقِرَاءَاتِ وَالوِرَشِ وَفُنُونِ الحَدِيقَةِ وَالمُجْتَمَعِ، فَتَجْعَلُ القِصَّةَ تَسِيرُ فِي الشَّارِعِ لَا فِي الصَّفْحَةِ فَقَط. وَتُؤَشِّرُ بَعْضُ التَّجَمُّعَاتِ الأَدَبِيَّةِ الأَكادِيمِيَّةِ إِلَى “آفَاقٍ جَدِيدَةٍ” فِي الأَدَبِ الإِفْرِيقِيِّ، مَعَ انْفِتَاحٍ أَكْبَرَ عَلَى الوَسَائِطِ: وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ، وَالسَّرْدُ عَلَى الشَّبَكَاتِ، وَالبُودْكَاسْتُ، وَالمَسَاحَاتُ الإِلِكْتُرُونِيَّةُ الَّتِي تَصْنَعُ جُمْهُورًا جَدِيدًا. وَهُنَا يَبْدُو أَنَّ الرِّقْمِيَّ فِي إِفْرِيقِيَا لَيْسَ تَرَفًا؛ إِنَّهُ أَدَاةُ وُصُولٍ وَتَخَطٍّ لِعُقُودِ التَّهْمِيشِ وَعَقَبَاتِ التَّوْزِيعِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ سُؤَالُ عَدَالَةٍ: مَنْ يَمْلِكُ المِنَصَّةَ؟ وَمَنْ يَحْصُلُ عَلَى العَائِدِ؟ وَمَنْ يُتْرَكُ خَارِجَ خَرِيطَةِ الاتِّصَالِ؟

وَبَيْنَ هٰذِهِ الجَغْرَافِيَاتِ الثَّلَاثِ، تَبْقَى الخُلَاصَةُ أَنَّ الأَدَبَ الرَّقَمِيَّ يَتَحَوَّلُ مِنْ “فَنٍّ جَدِيدٍ” إِلَى “عَادَةٍ جَدِيدَةٍ” فِي الإِنْتَاجِ وَالتَّلَقِّي: القَارِئُ يُحَاوِرُ النَّصَّ، وَالنَّصُّ يَسْتَعِيرُ مِنَ السِّينِمَا وَاللُّعْبَةِ وَالمَوْسِيقَى، وَالكَاتِبُ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ مِقَصًّا وَمُونْتَاجًا وَمِيكْرُوفُونًا. لٰكِنَّ “الجَدِيدَ اليَوْمَ” لَا يَقِفُ عِنْدَ الشَّكْلِ: إِنَّهُ يَمُسُّ قَلْبَ السُّؤَالِ الأَدَبِيِّ نَفْسِهِ—مَنْ يَكْتُبُ؟ وَلِمَنْ؟ وَبِأَيِّ سُلْطَةٍ؟ وَفِي أَيِّ بِيئَةٍ حُقُوقِيَّةٍ وَتِقْنِيَّةٍ؟ وَإِذَا كَانَ المَغْرِبُ يَبْنِي مَسَاحَاتِ التَّجْرِيبِ وَالتَّعْلِيمِ، وَالعَالَمُ العَرَبِيُّ يُؤَسِّسُ لِمَكْتَبَاتٍ رَقْمِيَّةٍ أَوْسَعَ، وَإِفْرِيقِيَا تُحَوِّلُ السَّرْدَ إِلَى فِعْلٍ مُجْتَمَعِيٍّ مُتَعَدِّدِ الوَسَائِطِ، فَإِنَّ المُشْتَرَكَ الأَكْبَرَ هُوَ وِلَادَةُ قَارِئٍ جَدِيدٍ: قَارِئٍ يَطْلُبُ المَعْنَى وَيَطْلُبُ التَّجْرِبَةَ مَعًا.


0 التعليقات: