الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مارس 26، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في الآداب العالمي (الخيميائي ) إعداد عبده حقي


يُعَدُّ باولو كويلو مِن أَشْهَرِ الرُّوائِيِّينَ المُعاصِرِينَ فِي العالَمِ، وَوُلِدَ فِي 24 أُغُسْطُسَ 1947 بِمَدِينَةِ رِيُو دِي جَانَيْرُو بِـالبرازيل. عُرِفَ بِكِتَابَاتِهِ الرِّوَائِيَّةِ ذاتِ البُعْدِ الرُّوحِيِّ وَالفَلْسَفِيِّ، حَيْثُ يُوَظِّفُ الرَّمْزَ وَالتَّجْرِبَةَ الإِنْسَانِيَّةَ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ رِحْلَةِ البَحْثِ عَنِ الذَّاتِ وَالمَعْنَى فِي الحَيَاةِ .

نَشَأَ فِي أُسْرَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ، وَكَانَ يَحْلُمُ مُنْذُ طُفُولَتِهِ أَنْ يُصْبِحَ كَاتِبًا، لَكِنَّ مَسَارَهُ لَمْ يَكُنْ سَهْلًا؛ فَقَدْ أُدْخِلَ مُسْتَشْفًى نَفْسِيًّا فِي شَبَابِهِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِهِ عَنْ تَوَقُّعَاتِ أُسْرَتِهِ، ثُمَّ عَاشَ تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةً كَحَيَاةِ التِّيهِ وَالسَّفَرِ وَالعَمَلِ فِي كِتَابَةِ الأُغْنِيَاتِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّغَ لِلأَدَبِ .

شَهِدَ تَحَوُّلًا رُوحِيًّا حَاسِمًا فِي مَسِيرَتِهِ فِي أَوَاخِرِ الثَّلَاثِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ، وَهُوَ مَا انْعَكَسَ فِي أَعْمَالِهِ الأُولَى، خُصُوصًا رِوَايَتِهِ الشَّهِيرَةَ الخيميائي (1988)، الَّتِي أَصْبَحَتْ مِن أَكْثَرِ الكُتُبِ مَبِيعًا فِي العَالَمِ، وَتُرْجِمَتْ إِلَى عَشَرَاتِ اللُّغَاتِ، مُحَقِّقَةً نَجَاحًا عَالَمِيًّا كَبِيرًا .

تَتَّسِمُ أَعْمَالُ كُويلُو بِتَرْكِيزِهَا عَلَى مَوَاضِيعَ مِثْلَ الحُلْمِ، وَالقَدَرِ، وَالإِيمَانِ بِالذَّاتِ، وَالسَّعْيِ إِلَى تَحْقِيقِ «الأَسْطُورَةِ الشَّخْصِيَّةِ»، وَقَدْ بَلَغَ عَدَدُ نُسَخِ كُتُبِهِ المَبِيعَةِ مِئَاتِ المَلَايِينِ، وَنُشِرَتْ فِي أَكْثَرَ مِنْ 170 بَلَدًا . كَمَا أَصْبَحَ عُضْوًا فِي الأَكَادِيمِيَّةِ البِرَازِيلِيَّةِ لِلآدَابِ سَنَةَ 2002 .

يُعَدُّ بَاوْلُو كُويلُو اليَوْمَ مِن أَكْثَرِ الكُتَّابِ تَأْثِيرًا وَانْتِشَارًا فِي الأَدَبِ العَالَمِيِّ المُعَاصِرِ، حَيْثُ تَمْزِجُ كِتَابَاتُهُ بَيْنَ البَسَاطَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالعُمْقِ الرُّوحِيِّ، مِمَّا جَعَلَهَا قَرِيبَةً مِن قُلُوبِ القُرَّاءِ فِي مُخْتَلِفِ الثَّقَافَاتِ .

يَكْتُبُ الرِّوَائِيُّ البِرَازِيلِيُّ باولو كويلو رِوَايَتَهُ «الخِيمِيَائِيّ» كَأَنَّهُ لا يُؤَلِّفُ حِكَايَةً، بَلْ يَفْتَحُ بَابًا سِرِّيًّا فِي قَلْبِ القَارِئِ. صَدَرَتْ هٰذِهِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ 1988، وَسُرْعَانَ مَا تَحَوَّلَتْ إِلَى نَصٍّ عَالَمِيٍّ يَعْبُرُ اللُّغَاتِ وَالثَّقَافَاتِ، لِتُصْبِحَ وَاحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ الأَعْمَالِ تَأْثِيرًا فِي الأَدَبِ المُعَاصِرِ.

فِي هٰذَا العَمَلِ، يَقُودُنَا كُويلُو إِلَى رِحْلَةِ رَاعٍ شَابٍّ يُدْعَى سَنْتِيَاغُو، يَتْرُكُ قَطِيعَهُ فِي رِيفِ إِسْبَانِيَا لِيُطَارِدَ حُلْمًا رَآهُ فِي مَنَامِهِ: كَنْزٌ مَخْبُوءٌ عِنْدَ أَهْرَامَاتِ أهرامات الجيزة. وَلٰكِنَّ الرِّوَايَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِالكَنْزِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ بِالرِّحْلَةِ نَفْسِهَا، بِالتَّحَوُّلِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي يَصْنَعُهُ الطَّرِيقُ فِي الإِنْسَانِ.

يُقَدِّمُ كُويلُو فِكْرَةً مِحْوَرِيَّةً تُسَمَّى «الأُسْطُورَةُ الشَّخْصِيَّةُ»، وَهِيَ الحُلْمُ العَمِيقُ الَّذِي يَحْمِلُهُ كُلُّ إِنْسَانٍ فِي دَاخِلِهِ، ذٰلِكَ النِّدَاءُ الخَفِيُّ الَّذِي يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَكُونَ أَنْفُسَنَا الحَقِيقِيَّةَ. وَفِي سِيَاقٍ سَرْدِيٍّ بَسِيطٍ ظَاهِرًا، عَمِيقٍ جَوْهَرًا، يُقْنِعُنَا الكَاتِبُ أَنَّ العَالَمَ كُلَّهُ يَتَآمَرُ لِمُسَاعَدَةِ مَنْ يُؤْمِنُ بِحُلْمِهِ.

وَفِي مَحَطَّاتِ الرِّحْلَةِ، يَلْتَقِي سَنْتِيَاغُو بِشَخْصِيَّاتٍ تَتَحَوَّلُ إِلَى مَرَايَا فَلْسَفِيَّةٍ: المَلِكُ العَجُوزُ، وَالتَّاجِرُ، وَالخِيمِيَائِيُّ الغَامِضُ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لا يُقَدِّمُ مَعْلُومَةً فَقَطْ، بَلْ يُسَلِّمُ قِطْعَةً مِنْ لُغْزِ الحَيَاةِ. وَهُنَا تَتَجَلَّى عَبْقَرِيَّةُ كُويلُو، حَيْثُ يُحَوِّلُ الرِّوَايَةَ إِلَى مَا يُشْبِهُ نَصًّا صُوفِيًّا مُعَاصِرًا.

لُغَةُ «الخِيمِيَائِيّ» بَسِيطَةٌ، لٰكِنَّهَا مُحَمَّلَةٌ بِرُمُوزٍ كَثِيفَةٍ: الصَّحْرَاءُ لَيْسَتْ فَرَاغًا، بَلْ مِرْآةٌ لِلنَّفْسِ؛ وَالرِّيحُ لَيْسَتْ هَوَاءً، بَلْ رِسَالَةٌ؛ وَالذَّهَبُ لَيْسَ مَعْدِنًا، بَلْ مَعْنًى. هٰذِهِ الرَّمْزِيَّةُ جَعَلَتِ الرِّوَايَةَ قَابِلَةً لِقِرَاءَاتٍ لا نِهَايَةَ لَهَا، مِنَ التَّأْوِيلِ الرُّوحِيِّ إِلَى القِرَاءَةِ النَّفْسِيَّةِ وَحَتَّى الفَلْسَفِيَّةِ.

وَمَا يُمَيِّزُ هٰذَا العَمَلَ أَيْضًا هُوَ قُدْرَتُهُ عَلَى خِطَابِ جُمْهُورٍ وَاسِعٍ، خُصُوصًا فِي عَصْرِ القَلَقِ وَالتَّشَتُّتِ الرَّقْمِيِّ. فِي زَمَنٍ يَفْقِدُ فِيهِ الإِنْسَانُ بُوصَلَتَهُ، تَأْتِي «الخِيمِيَائِيّ» كَتَذْكِيرٍ نَاعِمٍ بِأَنَّ الحَقِيقَةَ لا تُوجَدُ خَارِجَنَا، بَلْ فِي دَاخِلِنَا.

وَفِي سِيَاقٍ أَوْسَعَ، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ هٰذِهِ الرِّوَايَةَ أَعَادَتْ تَعْرِيفَ مَفْهُومِ النَّجَاحِ فِي الأَدَبِ العَالَمِيِّ. فَهِيَ لَمْ تَعْتَمِدْ عَلَى التَّعْقِيدِ السَّرْدِيِّ، بَلْ عَلَى القُوَّةِ الرُّوحِيَّةِ وَالبُعْدِ الإِنْسَانِيِّ. وَهُوَ مَا جَعَلَهَا تُتَرْجَمُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ 80 لُغَةً، وَتَبِيعُ مِلَايِينَ النُّسَخِ حَوْلَ العَالَمِ.

أَيُّهَا المُتَابِعُونَ فِي صَفْحَتِي عَلَى تِيكْ تُوك، لَعَلَّ أَهَمَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَخْرُجَ بِهِ مِنْ «الخِيمِيَائِيّ» لَيْسَ دَرْسًا أَدَبِيًّا فَقَطْ، بَلْ دَرْسٌ فِي الحَيَاةِ: أَنْ تُصْغِيَ إِلَى قَلْبِكَ، وَأَنْ تَتَّبِعَ إِشَارَاتِ العَالَمِ، وَأَنْ تَتَجَرَّأَ عَلَى الحُلْمِ، حَتَّى لَوْ بَدَا الطَّرِيقُ طَوِيلًا وَمُوحِشًا.

فَفِي نِهَايَةِ الرِّوَايَةِ، نَكْتَشِفُ أَنَّ الكَنْزَ لَمْ يَكُنْ فِي المَكَانِ الَّذِي تَوَقَّعَهُ البَطَلُ، بَلْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ مُنْذُ البِدَايَةِ. وَهُنَا تَكْمُنُ المُفَارَقَةُ الجَمِيلَةُ: نَسَافِرُ بَعِيدًا لِنَعُودَ إِلَى أَنْفُسِنَا.



0 التعليقات: