الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مارس 26، 2026

مهاجرون عرب بين مطرقة الإدماج وسندان السياسات المتحوّلة: إعداد عبده حقي

 


عادت قضايا المهاجرين المغاربة والعرب إلى واجهة النقاش الدولي، ليس فقط من زاوية الأرقام والإحصاءات، بل من خلال قصص إنسانية متشابكة مع التحولات السياسية والاقتصادية في بلدان الاستقبال، خاصة في الخليج والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. وقد بدا واضحًا أن الهجرة لم تعد مجرد انتقال جغرافي، بل تحوّلت إلى اختبار يومي للهوية والحقوق والاندماج.

في دول الخليج، خصوصًا في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر، برزت خلال الأسبوع الماضي أخبار متصلة بإعادة تنظيم سوق العمل، في إطار سياسات "توطين الوظائف" التي تهدف إلى إعطاء الأولوية للمواطنين. هذه السياسات، رغم مشروعيتها الاقتصادية، وضعت آلاف العمال العرب، ومن ضمنهم مغاربة، أمام تحديات جديدة، حيث تم تسجيل حالات إنهاء عقود أو عدم تجديدها في قطاعات الخدمات والبناء.

غير أن الوجه الآخر لهذه التحولات كشف أيضًا عن فرص جديدة، خاصة في مجالات التكنولوجيا والسياحة. فقد أعلنت شركات في دبي والرياض عن استقطاب كفاءات عربية في مجالات الذكاء الاصطناعي والهندسة الرقمية، وهو ما فتح نافذة أمل أمام نخبة من الشباب المغربي والعربي الباحث عن استقرار مهني أفضل. وبين الخسارة والفرصة، يبقى العامل العربي في الخليج معلقًا بين منطق السوق ومقتضيات الكرامة المهنية.

أما في أوروبا، فقد شهدت دول مثل فرنسا وإسبانيا وألمانيا تطورات لافتة في ملف الهجرة. ففي فرنسا، تصاعد الجدل حول قوانين الهجرة الجديدة التي تهدف إلى تشديد شروط الإقامة والعمل، وهو ما أثار احتجاجات في صفوف الجاليات المغاربية، التي ترى في هذه الإجراءات تضييقًا على مكتسبات تاريخية.

وفي إسبانيا، عادت قضية العمال الزراعيين المغاربة إلى الواجهة، بعد تقارير إعلامية تحدثت عن تحسينات جزئية في ظروف العمل، مقابل استمرار بعض الاختلالات المرتبطة بالسكن والأجور. هذه الازدواجية تعكس واقعًا مركبًا: اعتراف ضمني بأهمية اليد العاملة المغربية، مقابل تردد في ضمان حقوقها الكاملة.

أما في ألمانيا، فقد تم الإعلان عن تسهيلات جديدة لجذب العمالة الأجنبية، خاصة في قطاعي الصحة والصناعة، وهو ما قد يشكل فرصة استراتيجية للمهاجرين المغاربة، خصوصًا أصحاب التكوين المهني والتقني. غير أن التحدي الأكبر يبقى في مسألة الاندماج اللغوي والثقافي، الذي يظل شرطًا أساسيًا للاستقرار.

في الولايات المتحدة، وتحديدًا في الولايات المتحدة الأمريكية، برزت خلال الأسبوع الماضي أخبار متعلقة بتشديد الرقابة على الحدود، بالتزامن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث تتحول الهجرة إلى ورقة سياسية بامتياز. وقد شملت هذه الإجراءات مراجعة بعض برامج اللجوء، مما أثار قلقًا في صفوف المهاجرين العرب، خاصة القادمين من مناطق النزاع.

لكن في المقابل، شهدت مدن أمريكية عدة مبادرات محلية لدعم المهاجرين، من خلال برامج تعليم اللغة وإدماج الأطفال في المدارس، إضافة إلى دعم المشاريع الصغيرة. وقد برزت قصص نجاح لمغاربة تمكنوا من تأسيس شركات ناشئة في مجالات المطاعم والخدمات الرقمية، مما يعكس قدرة هذه الجالية على التكيف والإبداع رغم الصعوبات.

وفي خضم هذه التحولات، لا يمكن إغفال البعد الإنساني للهجرة. فقد تداولت وسائل الإعلام خلال الأسبوع الماضي قصصًا مؤثرة عن مهاجرين فقدوا حياتهم في محاولات عبور غير نظامية نحو أوروبا، وهو ما يعيد طرح السؤال القديم الجديد: لماذا يغامر الإنسان بحياته بحثًا عن أفق أفضل؟

الجواب لا يكمن فقط في الفقر أو البطالة، بل في شعور عميق بالانسداد، يدفع الشباب إلى البحث عن معنى آخر للحياة خارج حدود الوطن. وهنا، تبرز مسؤولية الدول الأصلية في خلق شروط العيش الكريم، كما تبرز مسؤولية الدول المستقبلة في احترام كرامة الإنسان، بغض النظر عن وضعه القانوني.

إن أخبار الأسبوع الماضي تكشف عن حقيقة واحدة: الهجرة لم تعد قضية هامشية، بل أصبحت في صلب التحولات العالمية. والمهاجر المغربي والعربي، سواء في الخليج أو أوروبا أو أمريكا، لم يعد مجرد رقم في الإحصاءات، بل فاعل حقيقي في إعادة تشكيل المجتمعات، رغم كل التحديات.

وبين الأمل والخوف، يواصل هؤلاء المهاجرون كتابة يومياتهم بصمت، في انتظار عالم أكثر عدلاً، يعترف بأن الكرامة لا تعرف حدودًا، وأن الإنسان، في نهاية المطاف، هو الوطن الأكبر.


0 التعليقات: