الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مارس 26، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في الآداب العالمي (شيفرة دافينشي) إعداد عبده حقي


يُعَدُّ دان براون مِن أَبْرَزِ الرُّوائِيِّينَ الأَمْرِيكِيِّينَ المُعاصِرِينَ فِي أَدَبِ التَّشْوِيقِ، حَيْثُ اقْتَرَنَ اسْمُهُ بِالأَلْغَازِ وَالأَسْرَارِ وَالمُؤَامَرَاتِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي تَتَقَاطَعُ فِيهَا العِلْمُ بِالدِّينِ وَالفَلْسَفَةُ بِالتَّارِيخِ. وُلِدَ فِي 22 يُونْيُو 1964 بِمَدِينَةِ إكْسِتَرْ فِي وِلَايَةِ نِيُو هَامْبْشَايِرْ بِالوِلَايَاتِ المُتَّحِدَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ، فِي بِيئَةٍ عَائِلِيَّةٍ جَمَعَتْ بَيْنَ الرِّيَاضِيَّاتِ وَالمُوسِيقَى، إِذْ كَانَ وَالِدُهُ أُسْتَاذًا لِلرِّيَاضِيَّاتِ وَوَالِدَتُهُ عَازِفَةَ أُرْغُنٍ كَنَسِيٍّ .

تَشَكَّلَ خَيَالُهُ الأَدَبِيُّ مُبَكِّرًا مِنْ خِلَالِ وَلَعِهِ بِالشِّفْرَاتِ وَالأَلْغَازِ، حَيْثُ كَانَ يَقْضِي سَاعَاتٍ فِي حَلِّ الأَنَاغْرَامَاتِ وَالأَلْعَابِ اللُّغَوِيَّةِ، وَهُوَ مَا سَيَتَحَوَّلُ فِيمَا بَعْدُ إِلَى عُنْصُرٍ بِنْيَوِيٍّ فِي أَعْمَالِهِ الرِّوَائِيَّةِ . دَرَسَ بِكُلِّيَّةِ أَمْهَرْسْتْ حَيْثُ تَخَصَّصَ فِي اللُّغَةِ الإِنْجِلِيزِيَّةِ وَالإِسْبَانِيَّةِ، وَقَضَى فَتْرَةً فِي إِشْبِيلِيَّةَ دَارِسًا تَارِيخَ الفَنِّ، مِمَّا عَمَّقَ صِلَتَهُ بِالتُّرَاثِ الأُورُوبِّيِّ وَالرُّمُوزِ الفَنِّيَّةِ .

بَدَأَ مَسِيرَتَهُ فِي مَجَالِ المُوسِيقَى وَالتَّدْرِيسِ قَبْلَ أَنْ يَتَجِهَ نَحْوَ الكِتَابَةِ، لِيُصْدِرَ أَوَّلَ رِوَايَاتِهِ «الحِصْنُ الرَّقْمِيّ» Digital Fortress سَنَةَ 1998، ثُمَّ تَلَتْهَا رِوَايَةُ «مَلائِكَةٌ وَشَيَاطِينُ  التي قَدَّمَتْ شَخْصِيَّةَ الأُسْتَاذِ «رُوبِرْتْ لانْغْدُونْ»، وَهِيَ الشَّخْصِيَّةُ الَّتِي سَتُصْبِحُ مِحْوَرَ عَالَمِهِ السَّرْدِيِّ .

إِلَّا أَنَّ الشُّهْرَةَ العَالَمِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ جَاءَتْ مَعَ رِوَايَتِهِ «شِفْرَةُ دافِنْشِي» (The Da Vinci Code) سَنَةَ 2003، الَّتِي أَصْبَحَتْ مِنْ أَكْثَرِ الكُتُبِ مَبِيعًا فِي التَّارِيخِ، وَأَثَارَتْ جَدَلًا وَاسِعًا بِسَبَبِ مَعَالَجَتِهَا الجَرِيئَةِ لِلتَّارِيخِ الدِّينِيِّ وَالنُّصُوصِ المُقَدَّسَةِ . وَتَضُمُّ سِلْسِلَةُ «رُوبِرْتْ لانْغْدُونْ» أَيْضًا أَعْمَالًا بَارِزَةً مِثْلَ «الرَّمْزُ المَفْقُودُ» (2009)، «الجَحِيمُ» (2013)، «الأَصْلُ» (2017)، وَ«سِرُّ الأَسْرَارِ» (2025) .

وَبِأُسْلُوبٍ يُشْبِهُ نَبْضَ الأَلْغَازِ، يَبْنِي دَانْ بْرَاوْن عَوَالِمَهُ السَّرْدِيَّةَ عَلَى تَقَاطُعِ العِلْمِ وَالدِّينِ، وَعَلَى تَوَتُّرٍ دَائِمٍ بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالخُرَافَةِ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الرِّوَايَةُ عِنْدَهُ إِلَى مَتَاهَةٍ مِنَ الرُّمُوزِ وَالإِشَارَاتِ وَالتَّفْسِيرَاتِ المُتَعَدِّدَةِ. وَلَعَلَّ سِرَّ نَجَاحِهِ يَكْمُنُ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى تَحْوِيلِ المَعْرِفَةِ المُعَقَّدَةِ إِلَى مُتْعَةٍ سَرْدِيَّةٍ تُخَاطِبُ القَارِئَ العَادِيَّ وَالمُثَقَّفَ فِي آنٍ وَاحِدٍ

وَقَدْ تُرْجِمَتْ أَعْمَالُهُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ 50 لُغَةً، وَبِيعَ مِنْهَا مَا يَفُوقُ 250 مِلْيُونَ نُسْخَةٍ حَوْلَ العَالَمِ، مِمَّا جَعَلَهُ أَحَدَ أَكْثَرِ الكُتَّابِ تَأْثِيرًا فِي الأَدَبِ الشَّعْبِيِّ المُعَاصِرِ .

متاهة الرموز بين الإيمان والشك في شيفرة دافنشي مقال نقديى للكاتب المغربي عبده حقي

تَبْدُو رِوَايَةُ «شِفْرَةُ دَافِنْشِي» The Da Vinci Code – شِفْرَةُ دَافِنْشِي) لِلرُّوَائِيِّ الأَمْرِيكِيِّ دان براون وَكَأَنَّهَا نَصٌّ يَكْتُبُ القَارِئَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَهُ، وَيُعِيدُ تَفْكِيكَ يَقِينِهِ وَهُوَ يَتَتَبَّعُ خُيُوطَ سَرْدٍ مَشْدُودٍ إِلَى حَدِّ الاِنْفِجَارِ. صَدَرَتِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ 2003، فَتَحَوَّلَتْ سَرِيعًا إِلَى ظَاهِرَةٍ أَدَبِيَّةٍ وَفِكْرِيَّةٍ عَالَمِيَّةٍ، بَيْنَ مَنْ قَرَأَهَا كَرِوَايَةِ تَشْوِيقٍ، وَمَنْ تَلَقَّاهَا كَمِفْتَاحٍ لِتَأْوِيلِ التَّارِيخِ الدِّينِيِّ وَالرُّمُوزِ المُقَدَّسَةِ

تَبْدَأُ الحِكَايَةُ بِجَرِيمَةِ قَتْلٍ فِي مُتْحَفِ متحف اللوفر بِبَارِيسَ، حَيْثُ يُعْثَرُ عَلَى جُثَّةِ أَمِينِ المُتْحَفِ جَاكْ سُونْيِير، مَحَاطَةً بِرُمُوزٍ غَامِضَةٍ وَرِسَائِلَ مُشَفَّرَةٍ. وَمِنْ هُنَا، يَنْطَلِقُ الأُسْتَاذُ فِي عِلْمِ الرُّمُوزِ «رُوبِرْتْ لانْغْدُون» (Robert Langdon – روبرت لانغدون) فِي سِبَاقٍ مَعَ الزَّمَنِ، رُفْقَةَ عَالِمَةِ التَّشْفِيرِ «صُوفِي نِيفُو»، لِفَكِّ لُغْزٍ يَتَشَعَّبُ بَيْنَ اللُّغَةِ وَالتَّارِيخِ وَالدِّينِ.

لَيْسَتِ الرِّوَايَةُ مُجَرَّدَ سِلْسِلَةٍ مِنَ الأَلْغَازِ، بَلْ هِيَ مِعْمَارٌ سَرْدِيٌّ يَسْتَدْعِي لَوْحَاتِ ليوناردو دافنشي وَيُعِيدُ قِرَاءَتَهَا فِي ضَوْءِ تَأْوِيلَاتٍ جَدِيدَةٍ، خَاصَّةً "العشاء الأخير و الموناليزا حيث يَتَحَوَّلُ الفَنُّ إِلَى نَصٍّ خَفِيٍّ يَحْمِلُ أَسْرَارًا مَطْمُورَةً فِي طَبَقَاتِ التَّارِيخِ.

يُقِيمُ دان براون عَالَمَهُ عَلَى فِكْرَةٍ مِحْوَرِيَّةٍ: أَنَّ التَّارِيخَ لَيْسَ مَا كُتِبَ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مَا أُخْفِيَ. وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ، يَنْسُجُ رِوَايَتَهُ حَوْلَ أُسْطُورَةِ «الكَأْسِ المُقَدّسة " حيث ِيُقَدِّمَ تَصَوُّرًا مُثِيرًا لِلجَدَلِ عَنْ دَوْرِ المَرْأَةِ فِي التَّارِيخِ الدِّينِيِّ، وَعَنْ العَلاقَةِ المُعَقَّدَةِ بَيْنَ السُّلْطَةِ وَالمَعْرِفَةِ.

وَبِأُسْلُوبٍ يُشْبِهُ نَبْضَ القَلْقِ، يَتَحَرَّكُ السَّرْدُ فِي الرِّوَايَةِ بِإِيقَاعٍ سَرِيعٍ، مُقَسَّمٍ إِلَى فُصُولٍ قَصِيرَةٍ تُشْبِهُ لَقَطَاتٍ سِينِمَائِيَّةً، مِمَّا جَعَلَهَا قَابِلَةً لِلتَّحْوِيلِ إِلَى فِيلْمٍ سِينِمَائِيٍّ نَاجِحٍ سَنَةَ 2006. لَكِنَّ قُوَّتَهَا الحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى إِثَارَةِ الأَسْئِلَةِ: مَنْ يَمْلِكُ الحَقَّ فِي كِتَابَةِ التَّارِيخِ؟ وَمَا الحُدُودُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالتَّخَيُّلِ؟

لَقَدْ بَاعَتِ الرِّوَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ 80 مِلْيُونَ نُسْخَةٍ حَوْلَ العَالَمِ، وَتُرْجِمَتْ إِلَى عَشَرَاتِ اللُّغَاتِ، وَأَثَارَتْ جَدَلًا وَاسِعًا فِي الأَوْسَاطِ الدِّينِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ، خَاصَّةً فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِتَأْوِيلِهَا لِلتَّارِيخِ المَسِيحِيِّ وَمُؤَسَّسَاتِهِ. وَهُوَ جَدَلٌ لَمْ يُضِعْ قِيمَتَهَا الأَدَبِيَّةَ، بَلْ زَادَهَا حُضُورًا وَانْتِشَارًا.

إِنَّ «شِفْرَةَ دَافِنْشِي» لَيْسَتْ رِوَايَةً تُقْرَأُ فَقَطْ، بَلْ تَجْرِبَةٌ ذِهْنِيَّةٌ تُدْخِلُ القَارِئَ فِي مَتَاهَةٍ مِنَ الرُّمُوزِ، حَيْثُ يُصْبِحُ كُلُّ تَفْسِيرٍ مُؤَقَّتًا، وَكُلُّ حَقِيقَةٍ مُحْتَمَلَةً، وَكُلُّ نَصٍّ قَابِلًا لِإِعَادَةِ القِرَاءَةِ.


0 التعليقات: