الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مارس 26، 2026

خيطٌ سريّ بين الحبر والسلطة: عبده حقي

 


في هذا العدد من Lire Magazine، لا يبدو الأدب مجرد نصوص تُقرأ، بل شبكة علاقات متوترة تُدار خلف الكواليس، حيث يلتقي الشغف بالسلطة، ويصطدم الخيال بمنطق السوق. الغلاف نفسه يهمس بحكاية مزدوجة: كاتب منحنٍ على دفتره كمن ينقّب في ذاته، وامرأة واقفة بثقة، يربطهما خيط رفيع… ليس خيط حب، بل خيط شدّ وجذب، خيط هشّ قد ينقطع في أي لحظة.

الملف الرئيسي في المجلة يقتحم هذه المنطقة الرمادية تحت عنوان دالّ: «الكتّاب والناشرون: أحبك… أنا أيضًا لا». عنوان يكاد يكون اعترافًا ضمنيًا بأن العلاقة بين الطرفين ليست بريئة كما تبدو. فالكاتب، في لحظة إبداعه، يظن أنه سيّد النص، لكنه سرعان ما يجد نفسه داخل منظومة اقتصادية وثقافية تُعيد تشكيل صوته. هنا، يصبح الناشر ليس مجرد وسيط، بل شريكًا متحكمًا في المصير الأدبي للنص: يختار، يحذف، يروّج أو يُقصي.

تستدعي المجلة في هذا السياق أسماء ثقيلة من الذاكرة الأدبية الفرنسية: من بالزاك إلى دوراس، ومن سيلين إلى غيرهم، لتؤكد أن الصراع ليس جديدًا، بل هو جزء من تاريخ الأدب نفسه. كانت الخلافات قاسية، أحيانًا جارحة، مليئة بالاتهامات والقطيعة. وكأن الكتابة، في عمقها، لا تحتمل شريكًا آخر، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تعيش خارج مؤسسة النشر.

وفي زاوية أخرى من العدد، تُطلّ لائحة الكتب الجديدة كأنها واجهة براقة لسوق أدبي دائم الحركة. أسماء معاصرة مثل ليلى سليماني وعتيق رحيمي وغيرهما تحضر لتذكّر بأن الأدب لا يزال يُنتج، رغم كل هذه التوترات. لكن السؤال الذي يظل معلقًا: هل ما نقرأه هو ما أراده الكاتب فعلًا، أم ما سمح به الناشر؟

أما الحوار مع الكاتب دافيد فوينكينوس، فيفتح نافذة مختلفة على تحولات الكتابة اليوم. حديثه عن “الرغبة في الإضحاك” باعتبارها سمة معاصرة، يكشف عن تحوّل عميق: لم يعد الأدب فقط مجالًا للتأمل الثقيل، بل أصبح أيضًا مساحة لمخاطبة قارئ سريع الإيقاع، يبحث عن خفة ما وسط عالم متخم بالقلق. هنا، يتغير دور الكاتب، ويتغير معه تعريف “النجاح الأدبي”.

هذا العدد، في جوهره، لا يقدّم مجرد مواد ثقافية، بل يرسم خريطة خفية لعالم الأدب اليوم: عالم يتأرجح بين الحرية والإكراه، بين الإبداع والتسويق، بين صوت الكاتب وهمسات الناشر. وكأن النص، في النهاية، ليس سوى نتيجة مفاوضة طويلة بين رغبتين: رغبة في القول، ورغبة في البيع.

هكذا، يتحول الأدب من فعل فردي خالص إلى لعبة توازن دقيقة، حيث لا أحد يملك الحقيقة كاملة. الكاتب يكتب، نعم، لكن الناشر يقرر مصير الكتاب. وبين الاثنين، يبقى القارئ هو الشاهد الصامت… أو الضحية الأنيقة لهذه العلاقة المعقدة.


0 التعليقات: