الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مارس 26، 2026

نص سردي "نافذة في رأس الغريب": عبده حقي


 أمشي داخل رأسي كأنني أتنقّل بين غرفٍ لا أبواب لها، وأحمل في جيبي أشياء أحبّها: حجرًا التقطتُه من طفولتي، وملعقةً من ذاكرةٍ لم أعد أتذكّر طعمها، وصورةً لشيءٍ لا أعرف إن كان لي أم كنتُ له. كنتُ أظنّ أن العالم لا يتّسع إلا لما أعرفه، وأن الأشياء التي لم ألمسها لا تستحق أن تُرى. لكن فجأةً، بدأ الكرسيّ الذي أمامي يتكلّم بلغةٍ لا أفهمها، وطلب مني أن أرسمه كما لو أنني لم أجلس عليه قط.

في تلك اللحظة، شعرتُ أنني مُجبر على أن أكون أكثر من نفسي، أن أمدّ يدي إلى ما لا أحبّ، إلى ما لا يشبهني، إلى ما يقف بعيدًا كغريبٍ بلا ملامح. كان عليّ أن أرتدي وجوهًا أخرى، أن أُصغي إلى صمت الأشياء التي لا تُحبّ أن تُوصف، وأن أكتب عن طاولةٍ لم تُدعَني يومًا للجلوس، وعن نافذةٍ ترفض أن تُفتح إلا على جهةٍ لا وجود لها.

كنتُ أقاوم في البداية، أهرب إلى مألوفي، إلى دفء ما أعرفه، لكن الكلمات كانت تُلاحقني ككلابٍ شفافة، تنهش خوفي من المجهول. أدركتُ أنني إن بقيتُ أسير تجاربي، سأتحوّل إلى ظلٍّ يكرّر نفسه، إلى صوتٍ لا يسمعه أحد لأنه لا يقول إلا ما قيل.

ثم حدث شيء غريب: بدأتُ أرى الأشياء التي لم أعرفها من قبل، لا بعيني، بل بما يشبه حلمًا يتسرّب إلى اليقظة. صرتُ أكتب عن حجرٍ لا وزن له، وعن وجهٍ بلا صاحب، وعن شجرةٍ تنمو في الهواء ولا تحتاج إلى أرض. هناك، في هذا الاتساع الغامض، بدأتُ أفهم أن الفن ليس ما أملكه، بل ما أجرؤ على الاقتراب منه.

وحين مددتُ يدي أخيرًا إلى ما لا يُغويني، شعرتُ أنني أتحرّر من نفسي، أنني أتحوّل إلى كائنٍ يمرّ عبر الأشياء بدل أن يحتفظ بها. لم أعد أرسم ما أحبّ، بل ما يرفض أن يُحبّ، وما يصرّ على أن يبقى بعيدًا. وهناك فقط، في تلك المسافة بيني وبين ما لا أعرفه، بدأتُ ألمح شكلًا آخر للكتابة… شكلًا يشبه الهاوية، لكنه يضيء.


0 التعليقات: