الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مارس 24، 2026

شرائح الدماغ الصينية تفتح بوابة السيادة العصبية العالمية بقلم: الكاتب والإعلامي المغربي عبده حقي

 


خرجت الصين عن صمتها الاستراتيجي لتعلن عن خطوة قد تبدو في ظاهرها طبية، لكنها في عمقها سياسية، حضارية، وربما وجودية. إنها لحظة تاريخية تُشبه تلك اللحظات التي اكتشف فيها الإنسان النار أو الكهرباء، لكن هذه المرة، النار مشتعلة داخل الدماغ، والكهرباء تمر عبر الفكر ذاته.

لقد وافقت السلطات الصينية على تسويق أول شرائح دماغية قابلة للزرع، لتتحول هذه التقنية من مجرد فكرة مختبرية إلى منتج متداول. في ظاهر الخبر، نقرأ عن أمل جديد لمرضى الشلل، وعن إنجاز طبي واعد. لكن في باطنه، نسمع صدى مشروع أكبر: إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، ليس عبر الشاشة، بل عبر الدماغ مباشرة.

لم يعد الأمر يتعلق بجهاز نضغط عليه، بل بعالم يستجيب لأفكارنا قبل أن تتحول إلى كلمات. نحن أمام تحوّل أنطولوجي، إن صح التعبير، حيث يصبح التفكير نفسه واجهة استخدام.

في الغرب، حيث تُدار التكنولوجيا بميزان دقيق بين الابتكار والأخلاق، تسير الأبحاث في مجال واجهات الدماغ–الحاسوب بخطى محسوبة، كأن العلماء يمشون فوق حقل ألغام فلسفي. التجارب السريرية محدودة، والضوابط صارمة، والنقاشات الأخلاقية لا تنتهي. هناك خوف مشروع من أن يتحول الإنسان إلى كائن مُراقب من داخله، أو إلى منصة بيانات حية تُستغل دون وعيه.

لكن في الصين، يبدو المشهد مختلفًا تمامًا. لا وقت للتردد، ولا مساحة واسعة للشك. الدولة تقرر، والشركات تنفذ، والسوق يستقبل. وهكذا، تتحول الفكرة إلى منتج، والتجربة إلى تطبيق، والاحتمال إلى واقع.

هذا الفرق بين النموذجين ليس تقنيًا فقط، بل فلسفي أيضًا. الغرب يسأل: هل يجب أن نفعل؟
أما الصين فتسأل: كيف نفعل بسرعة أكبر؟

إن ما يثير الانتباه في التجربة الصينية ليس فقط نجاحها في تطوير هذه الشرائح، بل قدرتها على إدماجها ضمن رؤية وطنية شاملة. نحن لا نتحدث عن شركة ناشئة تبحث عن تمويل، بل عن دولة تضع خطة من عشرات الإجراءات لتأسيس صناعة كاملة حول هذه التكنولوجيا.

الصين تدرك أن المستقبل لن يكون لمن يملك النفط أو حتى البيانات فقط، بل لمن يملك “واجهة الدماغ”. ومن هنا، يصبح الاستثمار في هذه التقنية استثمارًا في السلطة ذاتها، في التحكم، في التأثير، وربما في إعادة تعريف الإنسان.

لقد تعلمت بكين جيدًا من دروس الثورة الرقمية: من سيطر على الإنترنت، سيطر على العالم. واليوم، يبدو أنها تريد أن تذهب أبعد من ذلك: من يسيطر على الدماغ، سيعيد كتابة قواعد اللعبة كلها.

لكن هل نحن مستعدون فعلاً لهذا العالم؟

في البداية، تُقدَّم هذه الشرائح كأدوات علاجية. مريض مشلول يستعيد القدرة على تحريك يد اصطناعية. شخص فقد القدرة على الكلام يجد وسيلة للتواصل عبر إشارات دماغه. إنها قصص إنسانية مؤثرة، تُغري بالتصفيق، وتدفعنا إلى تبني هذه التكنولوجيا دون تردد.

غير أن التاريخ يُعلّمنا أن كل تقنية تبدأ بالعلاج، ثم تنزلق نحو التعزيز. ما يبدأ كحل طبي يتحول تدريجيًا إلى وسيلة لتحسين الأداء البشري، ثم إلى معيار جديد يُفرض على الجميع.

إذا أصبح بالإمكان تحسين الذاكرة، فهل سيبقى الإنسان “العادي” مقبولًا؟
إذا أمكن تسريع التعلم عبر شريحة، فهل سيظل التعليم التقليدي ذا معنى؟
إذا أصبح الدماغ متصلًا بالآلة، فهل سنبقى أحرارًا في أفكارنا؟

هذه الأسئلة ليست خيالًا علميًا، بل ملامح أولية لعالم يتشكل الآن، بهدوء، في مختبرات بكين.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي. فالصين لا تتحرك بدافع الفضول العلمي فقط، بل بدافع السيطرة على سوق يُتوقع أن تبلغ قيمته مئات المليارات. إنها تريد أن تكون المورد الأول لهذه التكنولوجيا، والمُصنِّع الأكبر، وربما المعيار العالمي الذي تُقاس به بقية الدول.

وهنا، يتكرر سيناريو مألوف:
كما سيطرت الصين على صناعة الإلكترونيات، ثم على البنية التحتية للاتصالات، ها هي اليوم تتجه نحو السيطرة على البنية التحتية للدماغ البشري.

إنها قفزة من “صنع الأجهزة” إلى “صنع الإنسان”.

لكن خلف هذا التقدم السريع، تختبئ أسئلة أخلاقية لا تقل خطورة عن الأسئلة التقنية.
من يملك البيانات العصبية؟
هل يمكن اختراق الدماغ كما تُخترق الحواسيب؟
هل يمكن يومًا ما زرع أفكار أو تعديل سلوكيات عبر هذه الشرائح؟

الصين بدأت بالفعل في وضع أطر تنظيمية، لكنها تبقى أقل صرامة من نظيراتها الغربية. وهذا ما يفتح الباب أمام سيناريوهات مقلقة، حيث قد تتحول هذه التكنولوجيا إلى أداة مراقبة غير مسبوقة، ليس فقط لما نفعله، بل لما نفكر فيه.

إننا نقترب من لحظة يصبح فيها “الخصوصي” هو آخر ما تبقى من الإنسان، وربما أول ما يُستهدف.

ورغم أن بعض الخبراء يرون أن الصين ما تزال متأخرة تقنيًا عن شركات أمريكية مثل Neuralink، فإن هذا التأخر قد لا يكون حاسمًا. فالتاريخ لا يُكتب فقط بالاختراع، بل بالقدرة على التعميم والتسويق.

أمريكا قد تخترع،
لكن الصين تُنتج وتُوزع وتُهيمن.

وفي عالم الاقتصاد، غالبًا ما يفوز من يصل إلى السوق أولًا، لا من كان الأذكى في المختبر.

في النهاية، لا يمكننا أن نقرأ هذا الحدث كخبر عابر في صفحة التكنولوجيا. إنه إعلان عن بداية مرحلة جديدة، يمكن أن نسميها “عصر السيادة العصبية”، حيث تصبح السيطرة على الدماغ البشري هي الرهان الأكبر.

في هذا العصر، لن تكون المعركة بين دول فقط، بل بين نماذج حضارية:
نموذج يبطئ الخطى حفاظًا على الإنسان،
ونموذج يسرعها لإعادة تعريفه.

وبين هذا وذاك، يقف الإنسان، مترددًا، مأخوذًا بدهشة الاكتشاف، وخائفًا من نتائجه.

أنا، ككاتب، لا أملك إجابة جاهزة. لكنني أشعر أن العالم يقترب من لحظة مفصلية، حيث لن يكون السؤال: ماذا يمكن أن تفعل التكنولوجيا؟
بل: ماذا ستفعل بنا؟

لقد خرجت الصين لتقول إن المستقبل يبدأ من الدماغ.
لكن السؤال الذي يظل معلقًا في الهواء، مثل فكرة لم تكتمل:
هل سيبقى هذا الدماغ لنا… أم سيصبح يومًا ما مجرد منصة تشغيل لعالم لا نتحكم فيه؟


0 التعليقات: