الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مارس 24، 2026

جمهورية القضبان الطويلة وذاكرة الانتقام القصير: عبده حقي

 


في الجزائر، لا يُقاس الزمن بالساعات ولا بالتقويمات الرسمية، بل بعدد السنوات التي يمكن أن يقضيها رجلٌ مسنٌّ في زنزانةٍ ضيقة، بينما تتآكل ذاكرته كما تتآكل جدران العدالة. هناك، في تلك الجغرافيا التي تتقاطع فيها السلطة مع الظل، يصبح السجن ليس عقوبةً بل أسلوب حكم، ويغدو القانون مجرد قفازٍ حريري يُخفي قبضةً من حديد.

قضية جمال عباس ليست حادثة عابرة في سجل القضاء الجزائري، بل هي فصلٌ مكثف من رواية طويلة عنوانها: “الدولة التي تأكل أبناءها بعد أن تنتهي منهم”. رجلٌ تجاوز التسعين، مريض، مثقل بأمراض الشيخوخة، يكاد لا يتذكر أسماء من حوله، لكنه ظل يتذكر—أو بالأحرى، ظلت السلطة تتذكره—كعدو ينبغي إبقاؤه حيًا فقط ليذوق بطء الموت داخل السجن.

لقد كان عباس، مثل كثيرين من جيله، أحد وجوه النظام الذي حكم الجزائر لعقود. تقلّب في مناصب وزارية، واعتلى هرم حزب عريق، وشارك في هندسة مرحلة سياسية بكاملها. لكنه، في لحظة الانقلاب الرمزي التي أعقبت حراك 2019، تحوّل من “رجل دولة” إلى “ملف قضائي”، ومن “خادم للنظام” إلى “كبش فداء” يُقدّم للرأي العام على طبقٍ من شعارات التطهير.

هنا تبدأ السخرية السوداء.

فالسلطة التي صمتت طويلًا عن أخطاء رجالاتها، استيقظت فجأة لتكتشف أن الفساد كان يسكن في المكاتب المجاورة لها. وكأنها لم تكن تعلم، وكأنها لم تكن ترى، وكأنها لم تكن شريكة في صناعة ذلك الواقع الذي تدّعي اليوم أنها تحاربه. وهكذا، تحوّلت المحاكم إلى مسارح، والقضاة إلى ممثلين في عرضٍ عنوانه: “نحن أبرياء من ماضينا”.

لكن ما لم يُعرض على المسرح هو الكواليس: حيث تُكتب الأحكام بسرعة، وتُختصر التحقيقات، وتُختزل العدالة في قرارٍ سياسي يرتدي قناع القانون. هناك، لم يكن عمر عباس المتقدم، ولا حالته الصحية المتدهورة، سببًا كافيًا لإطلاق سراحه. بل على العكس، بدا وكأن السلطة وجدت في ضعفه فرصةً لإثبات قوتها.

أي قوة هذه التي تحتاج إلى رجلٍ تسعيني لتُثبت وجودها؟

في الدول التي ما تزال تحتفظ بشيء من الحياء القانوني، يُنظر إلى السجن كوسيلة إصلاح، لا كغرفة انتظار للموت. يُفرج عن المسنين، وتُراعى الحالات الصحية، وتُحترم الكرامة الإنسانية حتى في أقسى الأحكام. أما في الجزائر، فقد بدا الأمر مختلفًا: العدالة ليست ميزانًا، بل مطرقة، والإنسان ليس مواطنًا، بل رقمًا في سجل التأديب الجماعي.

والأدهى من ذلك، أن هذه القسوة لم تكن موجهة فقط ضد عباس، بل ضد فكرة الرحمة نفسها. فحين يُترك رجل في هذا العمر داخل السجن، رغم كل المؤشرات الطبية التي تؤكد تدهور حالته، فإن الرسالة لا تكون موجهة إليه، بل إلى المجتمع بأكمله: “لا أحد خارج دائرة العقاب، حتى وإن كان على حافة الموت”.

لقد تحوّلت العدالة، في هذا السياق، إلى أداة ردع نفسي، لا إلى وسيلة إنصاف. وأصبح السجن فضاءً لإنتاج الخوف، لا لتطبيق القانون. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الدولة التي تدّعي حماية المجتمع من الفساد، تمارس في الوقت نفسه فسادًا من نوع آخر—فساد العدالة.

ولعل أكثر ما يكشف زيف هذا المشهد، هو التحول التدريجي في وعي الجزائريين أنفسهم. فبعد سنوات من التصفيق لسجن رموز النظام السابق، بدأت تتسلل أسئلة محرجة إلى الفضاء العام: ماذا تغير؟ هل اختفى الفساد؟ هل تحسنت الأوضاع؟ أم أن البلاد دخلت في نسخة أكثر قسوة من نفس اللعبة؟

الإجابات، كما يبدو، لا تحتاج إلى كثير من التحليل. فالمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية لا توحي بانفراج، والحريات العامة لم تشهد انتعاشًا يُذكر، بل على العكس، أصبحت أكثر هشاشة. وهكذا، بدأ كثيرون يدركون أن “محاربة الفساد” لم تكن سوى عنوانٍ جميل لعملية إعادة ترتيب السلطة، لا لإصلاحها.

وفي هذا السياق، تكتسب قضية عباس دلالة رمزية عميقة. فهي ليست مجرد قصة رجل مريض في السجن، بل قصة نظامٍ يستخدم الماضي ليخفي عجزه عن إدارة الحاضر. نظامٌ يفضل محاكمة الأشباح على مواجهة الأحياء، ويجد في الانتقام أسهل من الإصلاح.

لكن، هل يمكن لدولة أن تبني مستقبلها على ذاكرة انتقائية؟

هنا، تتحول السخرية إلى مرآة.

فالسلطة التي سجنت عباس بتهم الفساد، لم تقدّم نموذجًا بديلًا يُقنع المواطن بأنها تختلف جذريًا عن سابقتها. بل إن كثيرًا من الممارسات، في نظر المراقبين، تعيد إنتاج نفس الآليات، مع اختلاف في الوجوه فقط. وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن بلهجة أكثر حدّة.

أما عباس، فقد أصبح—رغم كل شيء—رمزًا لمفارقة مؤلمة: رجلٌ خدم النظام طويلًا، فانتهى ضحية له. رجلٌ كان جزءًا من السلطة، فأصبح شاهدًا على قسوتها. وربما، دون أن يدري، أصبح أيضًا مرآةً تعكس هشاشة العدالة في بلاده.

إن الإدانة هنا لا تتعلق بشخصه بقدر ما تتعلق بالطريقة التي عومل بها. فالدول لا تُقاس بعدد السجون التي تبنيها، بل بقدرتها على التمييز بين العدالة والانتقام. وبين القانون والانتقائية. وبين الدولة والغريزة.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا في هواء الجزائر الثقيل:
هل كانت هذه العدالة ضرورية، أم كانت مجرد استعراض للقوة؟
وهل يمكن لنظامٍ يخاف من شيوخٍ مرضى أن يطمئن شبابًا يبحث عن مستقبل؟

ربما الجواب ليس في المحاكم، ولا في البيانات الرسمية، بل في تلك الهمسات التي بدأت ترتفع من الشارع: أن العدالة، إذا فقدت إنسانيتها، تتحول إلى شكلٍ آخر من الظلم. وأن الدولة التي تعاقب بلا رحمة، إنما تحفر قبرًا بطيئًا لثقة مواطنيها.

وفي انتظار أن تكتشف السلطة هذه الحقيقة، سيظل الزمن في الجزائر يُقاس… بعدد السنوات التي يمكن أن يقضيها رجلٌ على حافة الموت داخل زنزانة.


0 التعليقات: