1
فِي هٰذَا اليَوْمِ، تَسْتَيْقِظُ اللُّغَةُ مِنْ مَنَامِهَا،
وَتَمْشِي حَافِيَةً فَوْقَ قَلْبِي،
كَأَنَّهَا أُمٌّ تُرَتِّبُ فَوْضَى الذِّكْرَى،
وَتُسَمِّي الحُزْنَ وَطَنًا.
2
أَقُولُ لِلشِّعْرِ: كُنْ خُبْزِي اليَوْمَ،
فَيُجِيبُنِي: أَنَا جُوعُكَ أَيْضًا،
فَأَكْتُبُكَ بَيْنَ سَطْرَيْنِ،
كَجُرْحٍ يُعَلِّمُ الدَّمَ الكَلَامَ.
3
يَا أَيُّهَا الصَّوْتُ المُهَاجِرُ فِي الحُرُوفِ،
مَنْ أَعَادَكَ إِلَى صَدْرِي؟
كُلُّ قَصِيدَةٍ مِفْتَاحٌ لِبَابٍ قَدِيمٍ،
وَكُلُّ بَابٍ يُؤَدِّي إِلَى غِيَابٍ جَدِيدٍ.
4
فِي اليَوْمِ العَالَمِيِّ لِلشِّعْرِ،
أُصَافِحُ ظِلِّي وَأَسْأَلُهُ:
هَلْ كُنَّا وَاحِدًا قَبْلَ القَصِيدَةِ؟
أَمْ أَنَّنَا وُلِدْنَا لِنَنْقَسِمَ فِي اللُّغَةِ؟
5
تُرَى، مَنْ يَكْتُبُ مَنْ؟
أَنَا أَمِ الكَلِمَاتُ؟
فَكُلَّمَا ظَنَنْتُ أَنِّي أَقُودُهَا،
قَادَتْنِي إِلَى مَا لَا أَعْرِفُ.
6
الشِّعْرُ لَيْسَ غِنَاءً فَقَطْ،
بَلْ هُوَ صَمْتٌ يَتَعَلَّمُ النُّطْقَ،
وَهُوَ جُرْحٌ يُقَلِّدُ الضَّوْءَ،
لِيُخْفِي أَثَرَ العَتْمَةِ.
7
فِي كُلِّ قَصِيدَةٍ، أَفْقِدُ اسْمِي،
وَأَسْتَعِيدُ وَجْهًا آخَرَ،
كَأَنِّي أُوَلَدُ مِنْ حُرُوفِي،
وَأَمُوتُ فِي بَيْنِهَا مَرَّتَيْنِ.
8
يَا أَيُّهَا الوَقْتُ، تَمَهَّلْ،
فَالشِّعْرُ لَمْ يُنْهِ حِكَايَتَهُ بَعْدُ،
هُنَاكَ قَلْبٌ يَكْتُبُ آخِرَ دَمْعَةٍ،
وَيَحْلُمُ أَنْ يُسَمِّيهَا قَصِيدَةً.
9
لِلشِّعْرِ ذَاكِرَةُ الأَشْيَاءِ،
حَتَّى مَا نَسِيَهُ النَّاسُ،
يَظَلُّ مُعَلَّقًا فِي حُرُوفِهِ،
كَغُصْنٍ يَتَذَكَّرُ الرِّيحَ.
10
فِي هٰذَا اليَوْمِ، أُهْدِي لِلشِّعْرِ صَوْتِي،
فَيُعِيدُهُ إِلَيَّ غَرِيبًا،
كَأَنِّي أَسْمَعُ نَفْسِي لِأَوَّلِ مَرَّةٍ،
وَلَا أَعْرِفُ مَنْ أَكُونُ.
11
القَصِيدَةُ مِرْآةٌ مُشَقَّقَةٌ،
تُرِينِي وُجُوهِي المُتَعَدِّدَةَ،
فَأَجْمَعُ شَظَايَا الذَّاتِ،
وَأُسَمِّيهَا: أَنَا.
12
مَا أَضْيَقَ العَالَمَ دُونَ شِعْرٍ،
وَمَا أَوْسَعَ الجُرْحَ فِيهِ،
فَالشِّعْرُ نَافِذَةٌ صَغِيرَةٌ،
تُدْخِلُ السَّمَاءَ إِلَى الصَّدْرِ.
13
يَا قَصِيدَتِي، كُونِي جِسْرًا،
بَيْنَ مَا أَقُولُ وَمَا أَكْتُمُ،
فَالصَّمْتُ أَثْقَلُ مِنَ اللُّغَةِ،
وَالقَلْبُ أَضْعَفُ مِنَ الاِحْتِمَالِ.
14
فِي عَيْنِ الشِّعْرِ، نَصِيرُ أَخَفَّ،
كَأَنَّنَا لَا نَحْمِلُ أَوْزَارَنَا،
نَكْتُبُ الحُزْنَ بِحِبْرٍ شَفَّافٍ،
وَنَدَّعِي أَنَّنَا نَبْتَسِمُ.
15
الشِّعْرُ طَرِيقٌ لَا يُؤَدِّي،
إِلَّا إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الطُّرُقِ،
فَكُلَّمَا وَصَلْنَا نِهَايَةً،
اِبْتَدَأْنَا مِنْ جَدِيدٍ.
16
أَيُّهَا القَلْبُ، لَا تَخَفْ،
فَالشِّعْرُ لَا يَخُونُ أَحْزَانَكَ،
هُوَ يَحْمِلُهَا كَمَا هِيَ،
وَيُسَمِّيهَا حَيَاةً.
17
فِي اليَوْمِ العَالَمِيِّ لِلشِّعْرِ،
نُصَالِحُ أَصْوَاتَنَا المُنْكَسِرَةَ،
وَنَكْتُبُ مَا لَا يُقَالُ،
لِنُخَفِّفَ عَنْ قُلُوبِنَا الوُجُودَ.
18
لَا وَطَنَ لِلشِّعْرِ إِلَّا اللُّغَةُ،
وَلَا حُدُودَ لَهُ إِلَّا القَلْبُ،
فَهُوَ يَعْبُرُ كُلَّ الأَسْئِلَةِ،
وَيَتْرُكُنَا فِي الحَيْرَةِ.
19
الشِّعْرُ لَيْسَ نُصُوصًا فَقَطْ،
بَلْ هُوَ حَيَاةٌ تُكْتَبُ ببطءٍ،
وَهُوَ ذٰلِكَ الصَّوْتُ الخَفِيُّ،
الَّذِي يُنَادِينَا مِنْ دَاخِلِنَا.
20
فِي آخِرِ هٰذَا اليَوْمِ،
أُغْلِقُ دَفْتَرِي،
لَكِنَّ القَصِيدَةَ تَبْقَى مَفْتُوحَةً،
كَجُرْحٍ يَرْفُضُ أَنْ يَنْتَهِي.







0 التعليقات:
إرسال تعليق